قراءة في أسباب الأزمة الراهنة

الثلاثاء 05 يونيو 2012 - 05:44 مساءً

قراءة في أسباب الأزمة الراهنة

صوره ارشيفيه

 

بقلم - سامي مجدي: 
من المعروف أن وقوع أي وطن في أزمة يعني أن الممسكين بالأمور فيه أساءوا التصرف في إدارة الأمور الموكلة إليهم، وكما أن نظام مبارك أخفق في دوره في إدارة شؤون البلاد مما أدى في النهاية إلى قيام ثورة 25 يناير، بعد صبر طال نحو ثلاثة عقود؛ فإن القوى الفاعلة بعد هذه الثورة من مجلس العسكري وإخوان مسلمون وأحزاب سياسية وحركات احتجاجية وثورية وقعوا في أخطاء بعضها مقصود وبعضها غير مقصود منذ تنحي مبارك في 11 فبراير حتى الأزمة التي أفرزتها الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية التي وضعت الشعب المصري أمام خيارين وضح أنه أغلبه لا يقبل بأي منهما.
ولمعرفة أسباب وتداعيات هذه الأزمة لابد من استعراض أداء كل القوى الفاعلة في مصر والتي أدت في النهاية إلى ما نحن نقف عنده في هذه اللحظة الفارقة في تاريخ هذه الأمة.
المجلس العسكري
لا مناص في البداية أن نتناول أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي اتفق الجميع من مؤيد له ومعارض إلى أنه لم يحسن إدارة المرحلة الانتقالية بالشكل الذي يتم به تأسيس دولة ديمقراطية حديثة تلبي مطالب ثورة يناير، حتى أن البعض ذهب إلى القول بأن المجلس العسكري ''تآمر على الثورة'' وأخذ يصدر الأزمات والمشكلات للشعب بحيث ''يكفر'' المواطنون بالثورة على أساس أنها سبب ما هم فيه من أوضاع معيشية سيئة. وبالفعل بات هناك قاطعا عريضا من المصريين يكره الثورة ويكاد يترحم على أيام مبارك.
وهذا ''الكفر'' أو ''الكره'' ناجم بلا شك عن تقاعس المجلس العسكري والحكومة في حل المشكلات الأمنية على رأسها الانفلات الأمني الحاصل الذي لم يتم التعامل معه بالشكل المطلوب منذ انهيار جهاز الأمن الداخلي ''الشرطة'' في 28 يناير 2011 (جمعة الغضب) ولم يعرف فالشعب حتى هذه اللحظة ما جرى في هذا اليوم من ترك قوات الأمن لمواقعها في الشوارع وفتح للسجون وتهريب للسجناء. يضاف إلى ذلك المشكلات الاقتصادية من أزمة البنزين والسولار والبوتاجاز التي يُعرف سببها ولماذا لم يتم التعامل معها. كل هذا وغيره من مشكلات أثرت على الحياة اليومية للمواطن الذي وجد نفسه غير قادر على توفير أساسيات الحياة له ولأسرته، أدى في النهاية إلى أن يقتنع قطاع عريض من الشعب المصري بأن ''الثورة وراء ما يكابدونه''.
والواضح خلال العام والنصف أن المجلس العسكري لم ينفذ أيا من مطالب الثورة إلا تحت وطأة ضغوطات شعبية تمثلت في مظاهرات مليونية، فمثلا إحالة الرئيس السابق للمحاكمة ونقله من شرم الشيخ لم يتم إلا تحت ضغط الميدان، وكذلك الانتخابات البرلمانية وخارطة الطريق التي سيسلم المجلس وفقها السلطة في 30 يونيو 2012، لم يتم وضعها إلا بعد أحداث محمد محمود، وغير ذلك من قرارات لم تُتخذ إلى بضغط، من أول إزاحة حكومة شفيق حتى إجراء الانتخابات البرلمانية، مرورا بحل الحزب الوطني وإحالة رموز الفساد السابق للمحاكمة بتهم الفساد – (في هذا الصدد يقول كثيرون أن التحقيقات في قتل المتظاهرين وقضايا الفساد لم تصل لمداها الأخير نظرا لأنها قد تطال أشخاص لايراد محاسبتها).
وقد ساعد ما يمكن أن نسميه ''تحالف أو صفقة'' بين المجلس العسكري والإخوان المسلمون على أن تستمر الممارسات والإدارة الخاطئة بدءا من موافقتهم على التعديلات الدستورية وعمل التجييش المطلوب _انضم إليهم السلفيون - لتمريرها، وتركهم المتظاهرين خلال أحداث محمد محمود وتأييدهم المطلق – في بادئ الأمر – للدكتور الجنزوري وحكومته، رغم اعتراض أغلب القوى السياسية والحركات الثورية.
الإخوان مصلحة الجماعة
من الواضح أن الإخوان المسلمين وضعوا ''مصلحة الجماعة'' فوق ''مصلحة الوطن''، وظهر هذا من خلال تصرفاتهم التي راعت في المقام الأول المكاسب التي تحققها الجماعة حتى وإن كانت تتعارض مع ما تتطلبه المرحلة الانتقالية من مشاركة وتوافق بين القوى السياسية المختلفة لبناء النظام الديمقراطي المنشود. وتمثلت الأخطاء الرئيسة للجماعة في: هيمنتهم على البرلمان بغرفته (الشعب والشورى)، الدفع بمرشح رئاسي رغم تأكيدهم وتشديدهم على أنهم لن يدخلوا انتخابات الرئاسة حتى أنهم طردوا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح لإعلانه خوض الانتخابات، الهيمنة على الجمعية التأسيسية (كانت هذه بمثابة القشة التي قمت ظهر البعير)، وفوق كل هذا كانت مهادنة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
كل هذه الأخطاء أقر بها الإخوان إلا أن الاعتراف جاء متأخرا، وأدت في النهاية إلى تناقص حاد في شعبيتهم، فمن نحو 12 مليون صوت حصدها الإخوان في انتخابات مجلس الشعب، حصل محمد مرسي مرشح الجماعة (البديل) على أقل من 6 ملايين صوت ما أسماه سياسيون ''تصويت عقابي أو احتجاجي''. وهذا يوضح حجم الرفض الشعبي لتصرفات الإخوان.
كما أن تصرفات قيادات الجماعة المتمثلة في مكتب الإرشاد ومجلس شورى الإخوان لم ترضي حتى أغلبية أعضاء كثيرين في الجماعة، وقد اتضح هذا من استطلاع داخلي قام به الإخوان أظهر قبل تسمية خيرت الشاطر نائب المرشد مرشحا رئاسيا عن الجماعة، وأظهر أن الأغلبية تؤيد – وفق معلومات من أكثر من مصدر بالجماعة - عدم الدفع بمرشح في الانتخابات، وقيل أيضا أن هذه الأغلبية رأت عدم تأييد مرشحا بعينه في انتخابات الجولة الأولى على أن يكون الحشد لأحد مرشحي الإعادة.
تشرذم القوى المدنية
أما القوى السياسية المدنية والحركات الثورية، فهي يقع عليها قدر أقل من المسؤولية عن المجلس العسكري ''الحاكم'' وجماعة الإخوان المسلمين الفصيل الأكبر وصاحب العدد الأكبر من المقاعد في البرلمان بغرفتيه. ويؤخذ على هذه القوى انقسامها وسعيها ايضا لتحقيق مكاسب خاصة بالنسبة للأحزاب السياسية، وارتكانها إلى التظاهر والظهور في وسائل الإعلام بالنسبة للحركات الثورية دون النزول للشارع والوصول إلى المواطنين في القرى والمناطق خارج القاهرة، لتوضيح برامجهم ورؤيتهم للمرحلة القادمة.
ويعيب البعض على قوى الثورة عدم انضوائهم تحت تنظيم سياسي جامع، يتبنى مطالب الثورة ويحمل أهدافها، ويستغل الحالة الثورية التي كان عليها الوطن بعد رحيل مبارك؛ فلو أنهم فعلوا ذلك لكان لهم اليد العليا في التفاوض مع المجلس العسكري على سبيل المثال. وقد قيل أن المجلس العسكري كان يريد أحد يتحدث باسم الشاب الذي قاموا بالثورة يتحدث إليه، إلا أنه لم يجد أمامه سوى الإخوان المسلمين، الذي استغلوا الوضع لتحقيق مكاسبهم.
الفلول واستغلال الأخطاء
يبقى هناك طرفا ظل يعمل في صمت، بطريقة ما يمكن أن نسميه ''احتواء'' الخسائر التي لحقت به جراء ثورة يناير، وسقوط نظام كان يحقق من وراءه مكاسب ليست بالهينة، هذا الطرق هم بقايا نظام مبارك ما يسموا ''الفلول''. عمل هؤلاء الفلول في صمت طوال عام ونصف منذ 25 يناير، واستغلوا أخطاء القوى السياسية وحالة التشرذم الانقسام وانعدام الثقة الذي وصل لحد التخوين، ولعبوا على هذه الأخطاء بحرفية ودهاء كبير، كسبوا بها تعاطف قطاع عريض من المصريين.
وظهر مؤخرا أن ماكينة الحزب الوطني المنحل كانت طوال القوت تعمل بعيدا عن الأعين، وتمكنت من تأسيس أحزب سياسية تحت مسميات جديدة– بعد أن تأخر كثيرا إقرار قانون العزل السياسي لرموز العهد البائد - وعمل الحشد اللازم لرموز النظام السابق أمثال عمر سليمان وأحمد شفيق في انتخابات الرئاسة.