اغتصاب المعانى وانقلاب الكلمات

الاثنين 30 ديسمبر 2013 - 03:08 مساءً

اغتصاب المعانى وانقلاب الكلمات

د. سيف عبدالفتاح

 أن الكلمات كـ"العرض" و"الأرض"، ويفرق مالك بن نبى بين "قاموس البلوتيك المخادع" و"قاموس السياسة المفضية إلى الصلاح والإصلاح"، وتحدث على شريعتى عن "جغرافية الكلمة"، ودبج البشير الإبراهيمى نحتا وتركيبا مهما حينما أشار إلى "الكلمات المظلومة"؛ بين هذه المعانى جميعا بدت تلك الهوة بين أن يكون المنهج مهنية باردة تموت من خلاله القضايا، والمنهج الحافز للحياة والدافع للنهوض فيكسب الأفكار معانيها الحية؟، لا تسوغ لنفسها بمقولة العقل البارد أو الحياد العلمي، حتى فشت فاشية بين قوم تبنوا قاموس كلمات الهوان، وبعضهم تدثر بأثواب الزيف، وآخرون عبثوا بالكلمات ونافقوا بها وتحدثوا باسم الناس والجمهور وفتوا فى عضد هذه الأمة إن غفلة أو إرجافا أو تخذيلا أو تهويما أوتزييفا أوتلبيسا.

 

وها هو صاحب الحق والقول الثابت المقترن بالعمل الصالح حينما يحمل الكلمة فى قلبه وعقله ويجعل محبرته من دمه، فيكتب قاموسا يختلف عن ذلك القاموس الذى يراد له أن يشيع ويسود ويرسخ ويتمكن فى النفوس وفى القلوب وفى العقول.

 

"تتأرجح الكتابة بين لغة الفؤاد النازف ولغة العقل الناقد، بين ابتزازين: ابتزاز خطاب عقلانى زائف يحرّم علينا الغضب الجارف فى وجه أبشع صور الظلم والإبادة، مثلما يحرّم علينا بكاء ضحايانا بصوت مجروح يليق بالجنازة الجمعية، وكل ذلك تحت طائلة الاتهام بالانجراف وراء العواطف والانفعالات المعطّلة للعقل والتدبير، وبين ابتزاز عواطف متفجرة متدفقة كالنهر الهادر تصرخ تحت وطأة الكابوس بصوت لا يُسمع: إذا كان العقل يحرّم غضب القلب والضمير فليذهب إلى الجحيم، وإن لم يكن فى الوسع أن نتكافأ مع جلادينا فى الحياة فلنتكافأ بالموت.. ولتكن القيامة الآن!"، كما يقول الأديب وليد سيف.

 

وبين قاموس التخذيل والإرجاف والانقلاب وقاموس العزة والمنعة والسواء، بين قواميس التماسك والجامعية ومعاجم الاضطراب والاستقطاب والاحتراب، ولغة التردى الفاقدة لأى معنى من معانى التصدي، صارت المفاهيم ميدانا لمعارك تدور وتتلازم مع كل حدث يحيق بهذه الأمة من أقصاها لأقصاها، أو الوطن فى أرجائه وتنوعاته وامتداداته.

 

وصار عالم المفاهيم بدلا من أن يقوم بمهمته فى البيان مع دخول لغة القوة والمصالح فأفسدت للكلمات معانيها وتاهت وغامت مغازيها، وهو أمر شديد الخطورة وجب التنبه إليه إلى أن أصل المعارك التى نخوضها والقضايا المختلفة التى نتخالف حولها هى فى الأصل معركة للمفاهيم.

 

هى محاولة منا للتعرف على مقام الكلمات فى تشكيل العقل والوعى إن سلبا وإن إيجابا، دائما نتعامل مع عالم الكلمات مقطوعة عن أوصافها ومفصولة عن نعوتها رغم أن التراث القديم والحديث يعلمنا الكثير حول ضرورات الوصف، بل أن القرآن مصدر مرجعيتنا التأسيسية فى أكثر من آية يشير إلى: الكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، ويحذر من زخرف القول غرورا.

 

وها هى السنة الواردة على لسان أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام داعية إلى تحرى مسئولية الكلمة بالتلفظ بها، وتحرى معانيها وتأثير المعانى فى نفوسنا، فهل يكُبُّ الناس على وجوههم فى نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم، وقد أوتى النبى عليه الصلاة والسلام "جوامع الكلم".

 

فقه الكلمات

 

إننا فى حاجة إلى فقه الكلمات "وصفا يحدد المواقف ويحرر الأحكام ويقدم البدائل من كلمات للأمة تحفز معنى حياتها، فهل لنا أن نُكوِّن معجما فى "فقه كلمات الأمة".

 

فهذه كلمة "طيبة" فى كينونتها وجوهرها، وآثارها وثمرتها، وتلك كلمة "خبيثة" فى مقصودها وأغراضها، فهناك من الكلمات الميتة، والقاتلة والمميتة، والوثن، والمخذولة.

 

وهذه كلمات على ما يصفها البشير الإبراهيمى "كلمات مظلومة"، "كلمات مغتصبة"، و"كلمات المستوطنات" و"كلمات عدوة"، وهذا تصنيف آخر يسوقه لنا ابن حيّان فى رسالته للعلوم "اللفظ الحر" و"اللفظ العبد"، والمعانى الحرة والمعانى العبدة.

 

وها هو مصطفى صادق الرافعى يكتب فى "وحْى القلم" أن الكلمات كالحياض وكالجيوش، وجب الدفاع عنها كالأرض والعرض؛ لأنها تنتهك فى حرماتها، وتدنس فى معانيها.

 

ألا يحتاج منا هذا إلى فقه جديد يكون مداره هذه الكلمات يزود عن الكلمات الطيبة، وكلمات العمران، والكلمات الحرة، وكلمات الحياض، ويحتاج منا إلى إحياء الكلمات المخذولة من جانبنا، وتحرير الكلمات المغتصبة، والتنبه إلى الكلمات المسمومة والتعرف على أضرارها، والكلمات الملغومة فنحذر من آثارها.

 

ويحتاج ذلك منا رفع الظلم عن الكلمات المظلومة، ورفع الستر والنقاب عن الكلمات الظالمة، التى تغسل الأمخاخ جماعيّا وتستوطن العقول فتجعلها مؤجرة أو مفروشة لحساب ثقافة غير ثقافتنا.

 

وانتهاك حرمة معانى الكلمات لا تأتى فقط من معتد من خارج يحاول أن ينحرف بالمعانى ويدلس الدلالات، فتصير الكلمات لا تدل أو ترشد، بل قد تأتى من داخل تهون فيه الكلمات وتُهان، أين نحن من كلمات الكرامة؟!‍، وعقلية العزة ونفسية الأحرار، أين مقامنا من كلماتنا، ومقام كلماتنا فينا؟‍!

 

‍ أين نحن من كلمات تبدو فى ثوب الرحمة وهى تحمل كل معانى العذاب فى باطنها ومكنونها، فى توابعها وآثارها؟‍!

 

أين نحن من كلمات "الضُر" و"النفع" كلمات الزبد الرابى التى وجب أن تذهب جفاء، وكلمات النفع للناس التى تمكث فى الارض؟‍! كلمات التمكين والتأمين، وكلمات الاقتلاع والتوهين؟! ألا يستحق كل ذلك منا أن نستنْفِر كل صاحب كلمة أن يكتب فى زاوية "فقه الكلمات المتجدد".

 

اليوم نبدأ بالكلمات المظلومة كما أكد عليها البشير الإبراهيمي.

يقول الإبراهيمي: أن ظلم الكلمات بتغيير دلالتها كظلم الأحياء بتشويه خلقتهم، كلاهما منكر، وكلاهما قبيح، وإن هذا النوع من الظلم يزيد على القبح بأنه تزوير على الحقيقة، وتغليط التاريخ، وتضليل للسامعين، ويا ويلنا حين نغتر بهذه الأسماء الخاطئة، ويا ويح تاريخنا إذا بُنِى على هذه المقدمات الكاذبة، ونغُش أنفسنا إذا صدّقْنا.. ويا خجْلتنا بين الأمم الجادة إذا صار فِتنا على السماع بالقناطير فلم تجد عند العيان إلا الدوافق.

 

"الاستعمار".. كلمة مظلومة!

عجيب!… وهل الاستعمار مظلوم؟ إنما يقول هذا (كولون الشمال) أصحاب الكيمياء التى أحالت السيد عبدا، والدخيل أصلا، أما أنت فتوبتك أن تحشر كلمة (مظلوم) هذه فى الكلمات المظلومة.

 

هوِّن عليك فإن المظلوم هنا هو هذه الكلمة العربية الجليلة التى ترجموا بها لمعنى خسيس.

 

مادة هذه الكلمة هى (العمارة) ومن مشتقاتها التعمير، والعمران، وفى القرآن: " وهُو الّذِى أنْشأكُمْ مِن الْارض واستعْمركُمْ فِيْها …" فأصل هذه الكلمة فى لغتنا طيِّب، وفروعها طيبة، ومعناها القرآنى أطيب وأطيب..

 

ولكن إخراجها من المعنى العربى الطيب إلى المعنى الغربى الخبيث، ظلم لها، فاستحقت الدخول من هذا الباب، والإدراج تحت هذا العنوان.

 

فالذى صيّر هذه الكلمة بغيضة إلى النفوس ثقيلة عن الأسماع مستوخمة من الأذواق هو معناها الخارجى – كما يقول المنطق – وهو معنى مرادف للإثم، والبغي، والخراب، والظلم، والتعدي، والفساد، والنهب، والسرقة، والشّره، والقسوة، والانتهاك، والقتل، والحيوانية… إلى عشرات من مئات من هذه الرذائل تفسرها آثاره، وتنجلى عنها وقائعه.

 

وواعجبا! تضيق الأوطان على رحْبها بهذه المجموعة، وتحملها كلمة لا تمُتُّ إلى واحد منها بنسب، وإذا كنا نسمى من يجلب هذه المجموعة من كبائر الإثم، والفواحش إلى وطن – ظالما، فأظلم منه من يحشرها فى كلمة شريفة من لغتنا: ليُخْدع بها ويُغر، وليُهوِّن بها على الفرائس شراسة المفترس، وفظاعة الافتراس.

 

أما والله لو أن هذا الهيكل المُسمّى بالاستعمار كان حيوانا لكان من حيوانات الأساطير بألف فم للالتهام، وألف معدة للهضم، وألف يد للخنق، وألف ظلف للدوس، وألف مخلب للفرس، وألف ناب للتمزيق، وألف لسان للكذب وتزيين هذه الأعمال – ولكان مع ذلك هائجا بادى السوءات والمقابح على أسوأ ما نعرفه من الغرائز الحيوانية.

 

سمُّوا الاستعمار تخريبا - إذ لا تصح كلمة استخراب فى الاستعمال – لأنه يخرب الأوطان، والأديان، والعقول، والأفكار، ويهدم القيم، والمقامات، والمقومات، والقوميات.

 

وخذوا العهد على المجامع اللغوية أن تمنع استعمال هذه الكلمة فى هذا المعنى الذى لا تقوم بحمله عربة مزابل.

 

الخروج من المحنة:

إن التساؤل الذى يستحق إجابة منا يدور حول "أين الطريق للخروج من المحنة؟"، إنها "المحنة" حينما نقتنص فيها -بوعى وسعي- مقام "المنحة" منها و"العبرة" فيها. فى قلب كل محنة تكمن "المنحة" التى تمكّن "للقدرة والإرادة" بالخروج منها ومن عناصر استحكامها، وربما من استمرارها وتحكّمها.

 

هذا الخروج من حال "المحنة" و"الأزمة" لا يمكن أن يحدث إلا بسُننه الشرطية القابلة للفعل والتفعيل والفاعلية.

 

هذا الخروج لابد أن يمتلك الشرط التأسيسى بامتلاك الإرادة، وأن يستند إلى عناصر تأسيسية وبُنية أساسية من "العُدّة" والاستعداد والإعداد، تؤكد واصلة الإدارة بين الإرادة والعدة.

 

إن هذه العملية بكل تكويناتها هى ما نطلق عليه "الإصلاح" أو "النهوض"، إلا أنه مِنْ غرضِ هؤلاء الذين لا يريدون لنا "إصلاحا" أن يموّهوا عليه وأن يتدخلوا فيه وعلى خطّه، حتى نكره "الإصلاح" نفسه أو حتى كلمته؛ لمجرد أنه يرد على ألسنة منْ لا يريدون بنا خيرا، أو يروجون لإصلاح زائف، ضال ومضل، لا يريدون منه إصلاحا حقيقيا أو مكينا: (وإِذا قِيل لهُمْ لا تُفْسِدُواْ فِى الارض قالُواْ إِنّما نحْنُ مُصْلِحُون) سورة البقرة: آية 11، ويطلقون وربما الأدق يغتصبون مفاهيم مثل الإصلاح والاعتدال يطلقون هذا وذاك على عكس المقصود فإصلاحهم ليس إلا عين الافساد والتمزيق والتفتيت، والاعتدال ليس إلا الاستسلام والخنوع والتبرير للقعود والوهن فى انتظار السلام الموهوم، السلام كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء أنها حيلة العاجز "السلام خيار استراتيجى" حتى لو كان العدو لايعرف إلا لغة القتل مدعيا حماية أمنه فمنذ متى أمن اللص؟!..

أنه التلبيس الحادث حينما تكون الكلمة كلمة "حق" يراد بها "باطل"، حق فى محتواها، باطل فى مقصودها. أنها المفارقات التى تتطلب تلك العقلية الفارقة التى أشرنا إليها، والتى تتولد من العقلية الكاشفة فى حال المحنة والأزمة. لا نريد -ونحن على طريق الإصلاح- أن نضلّل فى بدايته أو يُموّه علينا فى مقصوده، أو نتلهّى عن جوهر الإصلاح بشكل أجوف أقرب إلى الزُّخرف منه إلى الإصلاح الحقيقي: )يُوحِى بعْضُهُمْ إلى بعْضٍ زُخْرُف الْقوْلِ غُرُورا) سورة الانعام: آية 112.

 

وغاية الأمر فى هذا المقام أن نتلمس معنى "المنحة فى المحنة"، ونتلمس طريق الخروج من "المحنة–الأزمة"، ونشرع فى صراط الإصلاح الحقيقى المستقيم؛ لا سبله المتفرقة الضالة والزائفة.

 

وغاية الأمر كذلك إلا نقف عند حدود آفاق الانحطاط الراهن مهما كان تراكمه ووهنه، فلا تتحكم هذه الحدود بنا تفكيرا وتدبيرا وتغييرا وتأثيرا.

 

عصر الرويبضة وحال الغثائية وعقلية الوهن:

 

عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "سيأتى على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيهاالرويبضة. قيل وما الرويبضة قال الرجل التافه يتكلــم فى أمر العامة"، أما الحديث فقد أخرجه ابن ماجه فى سننه فى كتاب الفتن، وأخرجه أيضا الإمام أحمد فى مسنده، واستقصى طرقه الشيخ ناصر الدين الألبانى فى سلسلة الأحاديث الصحيحة، وترجم له بعنوان: أليس هذا زمانه؟ بلى: أن هذا لزمانه، وإنها السنين الخداعة التى ينطق فيها الرويبضة. ويتكلم فى أمر العامة، فيفوض فى الأمر الجلل ويوكل إليه الأمور العظام التى تتعلق بمصير أمة ومكانة شعوب، وماهو بمستحقه، وهذا من جملة أن يوسد الأمر إلى غير أهله.

 

إذا تكلم الرويبضة فى أمر العامة، وإذا صار الأمين خائنا، والخائن أمينا، فلا شك أن موازين القيم قد تغيرت بل إنقلبت، وموازين الحياة كلها تخلخلت. نعم، الرويبضة هو الرجل التافه الذى رغم تفاهته يتكلم فى أمر جليل جدا يمس الناس كلهم!!، ها هى هذه الأمور تقع فى زمننا، فنحن نرى الرويبضة قد فضح نفسه لأن الناس قد رأوه أمام هذه الهامات الشامخة على حقيقته قزما، والأمور العظام لا تطلب إلا عظيما، فشأن الرويبضة أن يتحرك الحركة التافهة فى الأمر الجلل العظيم. انقلاب الموازين يتحرك صوب انقلاب فى عالم الكلمات والمفاهيم وتحريف الكلم عن مواضعه.

 

تعريف الرويبضة: كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: رجل تافه يتكلم فى أمور العامة. وفى اللغة: كلمة رويبضة من ربض يربض فهو رابض... ويصغر تحقيرا، رويبضة، قال اللغوى ابن منظور: "الرويبضة: هو العاجز الذى ربض عن معالى الأمور وقعد عن طلبها، والغالب أنه قيل للتافه من الناس لِربُوضِه فى بيته، وقلة انبعاثه في الأمور الجسيمة".


يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أمورا ستصير فى مستقبل الأيام وهى حاصلة فى واقعنا المعاصر، منها: أن يتمكن التافه من الكلام، وكأن الأصلأن لا يتكلم إلا العاقل الحكيم، ومما يزيد المشكلة عمقا ومساحة أن يكون هذا وأمثاله ممن يتناول أمور الجماهير فيساهم فى تضليل الرأى العام، وتوجيه العامة إلى مستوى طرحه كتافه قاعد متقاعس، أو على ضعفهم فوُسِّد أمرهم لرويبضة. يصف الرسول صلى الله عليه وسلم الزمن الذى يصول فيه الرويبضة بالسنوات الخدّاعات، ذلكلأن الأمور تسير خلاف القاعدة، فالصادق يُكذب والكاذب يُصدّق، والأمين يُخون والخائن يُؤتمن، والصالح يُكمّم والتافِهُ الرويبضة يُمكن. هل نحنالان فى زمن الرويبضة.. وقاموس الرويبضة؟؟؟

 

الرافعى ومعركة المفاهيم والمعاني:

هاهو الرافعى يشد من أزر رحمه الحضارى فى معركة المفاهيم والمعانى: "إن الأمة لن تكون فى موضعها إلا إذا وضعت الكلمة فى موضعها، وإن أول ما يدل على صحة الأخلاق فى أمة كلمة الصدق فيها، والأمة التى لا يحكمها الصدق لا تكون معها كل مظاهر الحكم إلا كذبا وهزلا ومبالغة".

 

"إن كلمة (حقي) لا تحيا فى السياسة إلا إذا وضع قائلها حياته فيها"، "فما دام هذا الشعب لين المأخذ، فإن هذا يوجد له من يأخذه، وما دامت الكلمة الأولى فى معجم لغته السياسية هى مادة (خضع يخضع)، فهذه الكلمة تحمل فى معناها الواحد ألف معنى، منها: ظلم يظلم، وركب يركب، وملك يملك، واستبد يستبد، ودجل يدجل، وخدع يخدع، فهل يكثر أن يكون منها للأجانب امتاز يمتاز؟" وأكمل وكان للمغتصب أن ينهب ما أراد وما بدا له نمكن له منا.

 

"أثر الجيش معروف فى دفاع الأمم العدوة عن البلاد، فأين أثر جيش العلماء فى دفاع المعانى العدوة عن أهل البلاد، وقد احتلت هذه المعانى وضربت وتملكت"..

 

ولهم عقول عجيبة فى اختراع الألفاظ، حتى لتكون شدة الوضوح فى عبارة هى بعينها الطريقة لاخفاء الغموض فى عبارة أخرى، وكثيرا ما يأتون بألفاظ منتفخة تحسب جزلة بادنة قد ملأها معناها، وهى فى السياسة ألفاظ حبالى، تستكمل حملها مدة ثم تلد..

 

ولهم من بعض الكلمات، كما لهم من بعض الرجال السياسيين، فيكون الرجل من دهاتهم رجلا كالناس، وهو عندهم مسمار دقوه فى أرض كذا أو مملكة كذا، ويكون اللفظ لفظا كاللغة، وهو مسمار دقوه فى وثيقة أو معاهدة.

 

وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره فى ذهاب وإدبار ومن هذا يفرض الأجنبى المستعمر لغته فرضا على الأمة المستعمرة ويركبهم بها ويشعرهم عظمته فيها، وكذا حال المستبد والانقلابى، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاما ثلاثة فى عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم فى لغته سجنا مؤبدا، وأما الثانى فالحكم على ماضيهم بالقتل محوا ونسيانا، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم فى الأغلال التى يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع.

 

خطاب الانقلاب

إن تفنيد الخطاب السائد فى أوساط بعض الليبراليين العرب، أولئك الذين يعملون فى خدمة السلطات الحاكمة، الكارهين للظاهرة الإسلامية برمتها ولمسار المقاومة، والأقرب فى مواقفهم إلى العدوبممارسة خطاب التزييف والتمويه والتخذيل. تفنيده من مبدأه إلى منتهاه، وينزع عنه كل الأثواب الزاهية التى يتدثر بها، ليتركه عاريا أمام العقل السوي: العقل الذى يريد معرفة الحقيقة، وليس الانتصار لمواقف مسبقة لا أكثر: مواقف تتأسس على أحقاد متعددة الدوافع.

 

خطابات كثيرة برزت فى ساحات الانقلاب وكلمات كثيرة زيفت ومفردات ملئت زورا وبهتانا، وبعضها مُلئ بالبطش والبغى، بين اغتصاب المعانى وانقلاب الكلمات كان الانقلاب حالة نموذجية لمسارات تزييف المعانى واستيطان المبانى حت يشيع الترويع والتزوير والتخذيل والتكميم لكسر إرادة المقاومة نتابع ضمن هذه السلسلة من المقالات مسالك الوعى السياسى؛ فأول مداخل الفاعلية صناعة الوعى، وأول مداخل الوعى إدراك المفاهيم مبنى ومعنى ومغزى فى وضعها ونقلها واستعمالها، مقام الكلمات فينا، مكامن الوعى لنا، وحركة الإرادة منا.






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات