الحمد لله.. ماتت أمى

الخميس 31 أكتوبر 2013 - 02:55 مساءً

الحمد لله.. ماتت أمى

صورة ارشيفية



«الحمد لله وبفضله ثم بفضل دعواتكم انتقلت والدتى إلى رحمة الله ورضوانه وتوقفت آلامها فى الدنيا،، أسألكم الدعاء لها بالمغفرة والرحمة فى الدار الآخرة. «وجدتنى أخطُّها بلا شعور فى رسالة إلى أصدقاء شاركونى اللحظات الصعبة لمرض أمى وخطواتها إلى فراق الدنيا، كان ذلك قبل عام بالتمام، ثم بعد أيام وجدتنى أحاول مشاركة الفوائد التى جنيتُها من موت أمى مع آخرين علّنى أصيب مزيدًا من الثواب أو هكذا حسبتُها وقتَها. فأخذت أكتب خلاصة تجربة خبرة فقدان عزيز، بل أعز مَن للإنسان، أىّ إنسان على وجه الأرض «الأم».

لم أملك إلا أن أحمد الله، منذ كشف المرض الشرس عن وجهه القبيح، وأعلن عن نفسه فقط قبل وفاتها بثلاثة أشهر، سارت بنا كل الطرق إلى حمد الله فى كل لحظة صحبنا أمى من طبيب إلى آخر فى مرضها القصير والأخير، لطالما طلبت هى من الله أن تعيش وتموت دون أن تعلم بمرضٍ أصابها وترفض زيارة الأطباء وتجاوزت السبعين وهى تسير على قدميها، بل وتقوم على خدمة نفسها ومن يزورها من أبنائها وأحفادها، وكأن الله كتب لها أمنيتها فى لوح الإجابة فعاشت وماتت دون أن تعلم أن المرض الخبيث تسلل ويلتهمها جزءًا فجزءًا.

ترددت طويلا فى أن أسرق مساحة للقارئ لأبث أحزانى، وعلقت هذه الكلمات شهورًا لكنى عجزت عن تجاهل فرصة غنية للنقل عن خبرة الموت لمن لم يمر بها ولأتبادل مع مَن مر بها الاعتبارَ والدروسَ… وفى الموت فوائد.

الجميع تسابق لمسح أخطائه وتقصيره وأسرع يسابق الزمن ليقتنص فرص استرضاء الأم وتسامحها، والكل واثق أنها لن تبخل ولن تَضِنّ بهما، فكان لزامًا أن يحمد كل منا الله على هذه النعمة، نعمة الحصول على فرصة قبل أن يُرفع القلم.

ثم نظرت من الجانب الآخر فوجدت نعمة الله على أمى أن منحها أيضا فرصة لتسمع كلمات الحب والخضوع ممن تباعدوا من أبنائها وأخذتْهم الحياة أميالا فى مستنقع الجفاف فأحاطها دفء الحب من كل صوب ممن التصقوا بها وممن عادوا مسرعين للالتصاق بها.

نصيحة الأصدقاء التى سمعناها من الأطباء أيضا كانت ذات معنى، «أن اشبعوا منها واجعلوها تشبع منكم» نعم هذه النصيحة التى تبدو قاسية فى ظاهرها، لكن باطنها الرحمة ويدركها كل من فقد حبيبًا فجأة وتألم سنوات ندمًا على أنه لم يمنح فرصة ليبث له كل ما يريد أن يعرفه عن حبه له، حاول كل الأبناء أن يجمع ما يستطيع من لحظات حب وصفاء دون أن تشعر بما وراء محاولاتنا، كنا نحاول أن لا نُبدى اهتمامًا أو جزعًا من شكواها وهى تتألم حتى لا تفطن لما أخفيناه عنها.

وعندما طلب الأطباء أن نَدَعَها تأكل ما تشتهيه لم نفعل، بعضنا تشبث بالأمل وبعضنا تخوف أن تدرك بذكائها أنها النهاية.

الأصدقاء الحقُّ ثبتوا فى أماكنهم إلى جوارى يشدون من أزرى ويعاونون بما قد ينفعها فى الدنيا وفى الآخرة على أمل أن يستجيب الله، وجدتنى أطلب الدعاء من أصدقاء، بل ومعارف ممن توسمت فيهم الصلاح والبركة، بعضهم كان متباعدا ومع ذلك لم يتركونى دون سؤال.

أما الأطباء فهؤلاء درس آخر لن أنساه بحمد الله لم تقع أمى تحت يد طبيب تاجر يوهمنا بعلاج سحرى يواجه به المرض الخبيث، وهو يعلم قرب أجلها، وكانت هذه نعمة أخرى وفضل. أما الوجه السيئ فكان إحجامهم عن متابعة المريض، لأنه فى حكم الميت، خصوصا الأطباء الكبار، بعضهم كان يرفض حتى كتابة المسكنات اللازمة لحالتها وكأنهم يرغبون فى كتابة تصريح دفن، بدلا من وصفة علاج، فكنا نضطر إلى إعطائها أدوية الكبد ومسكنات عادية حتى لا تسأل عن سبب توقف العلاج. كان درسا قاسيا، لكنه ردّنى إلى الحكمة وراء عدم ثقة أمى فى الأطباء، رأيت الوجه القاسى الجامد للطبيب، لكن بمعاناة أقل، لأن شفاء أمى لم يكن متوقفا على طبيب ماهر، بل على رحمة من الله، وقد رحمها بأفضل مما توقعنا جميعا.

ثم وصف الأطباء لأمى مسكناتٍ مخدرةً قوية لمرحلة الآلام الرهيبة، بينها الترامادول، وفى انتظار تضاعف الآلام كنا نسعى للحصول على المخدر فلا نستطيع، ونرتعب كل ليلة عندما لا تنام إلا بعد إعطائها جرعات مسكنات مضاعفة ونشفق عليها من الآلام القادمة والصراخ الذى مهد لنا الأطباء حدوثه، لكن أمى رحلت دون أن تحتاج إلى قرص مخدر واحد. انتهت آلامها بدون صراخ ولا آلام رهيبة، بل غيبوبة قصيرة وفى نفس الليلة غادرت فى هدوء.

كانت إذا مرضت تجزع وتردد أن الأجل اقترب، فلم نتردد أن نخفى عنها حقيقة مرضها، وتعلمت دعاء لهذا الخوف:

«اللهم أدخل الطمأنينة على نفسها ولا تجعلها تشعر بأنها تسير للنهاية» تخيلوا أن الدعاء اُستجىب ولم تردد أمى مخاوفها عن قرب الأجل، بل ظلت إلى آخر لحظات وعيها تطلب الشفاء من الله، وتعاهده بنذر تقوم عليه عندما تشفى، كانت كلها ثقة بأنها ستشفى.

وطوال أشهر ثلاثة، كنت أحمد الله كلما دعوت لها، أحمده أن منحنى فرصة حرمت منها عندما توفى والدى قبل خمس وعشرين عاما، وأحمده أنْ برحمته منحنى ذكرى جميلة لساعات وأيام الفراق، بل وجعلْنا أبناءنا يشاركوننا فى الاستفادة من موت الجدة بمحاولة الحصول على رضائها.

وتعلم الدعاء وقراءة القرآن للمريض والمحتضر والكذب على أسئلتها عما أصاب هيئتها من تغير، ثم الوقوف معها لحظة الاحتضار لوداعها والوقوف فى أثناء إعداد جثمانها للرحلة الأخيرة، لم نترك أى فرصة للاستفادة المعنوية والأخلاقية من تجربة الموت.

لكن هل كنا منصفين وأفدناها فى موتها كما أفادتنا هى؟ فقط بعد موتها اكتشفت أننا كنا نلهث للتطهر من تقصيرنا أو أخطائنا معها ولم ننتبه إلى أنها كانت تحتاج لنفس الفرصة ربما لتُصلح شيئا لم ترض عنه أو تسترضى أحدا أخطأت فى حقه، ولو خطأً بسيطًا أو أن ترى عزيزا ربما ودَّت أن لا تغادر دون وداعه.

انتبهت كم تملكتنا الأنانية وتسابقنا باسم الخوف من جزعها لنخفى عليها حقيقة من حقها وأنها تسير لملاقاة ربها، ليس جَلْدًا للذات، بل خبرة أنقلها، فلما حدث بعد وفاة أمى شككت أننا أسأنا إليها بحرمانها من تلك الفرصة، وكان أقله أنّ مَن وثقت بهم وسلمتهم كل ما تملك حرموها فى مرضها وفى موتها، وحتمًا لم نكن سنعدم الوسيلة لإقناعها بأشياء كثيرة يستحب أن يفعلها من حضره الموت دون أن نكاشفها بالحقيقة أو أن ندّعى مثلا أن ذلك سيقرب الشفاء، وكانت ستصدق لكننا بدلا من ذلك أمعنّا فى تضليلها وحرمناها فرصة أن تتجمل للمرة الأخيرة أمام ربها، حسِبنا أنا نحسن فأسأنا والله أعلم، فهل تسامحنا وتصفح؟
 

مصدر الموضوع: التحرير








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات