من يقطع لسان باسم يوسف؟

الخميس 31 أكتوبر 2013 - 02:52 مساءً

من يقطع لسان باسم يوسف؟

صورة ارشيفية

عرفت مصر رجلين انقطع لسانهما وظلا ينزفان حتى الموت لأنهما تجرآ وقالا ما يغضب أصحاب النفوذ. القتل بقطع اللسان وما يسببه من نزيف هو طقس ماسوني شهير.

أول الرجلين لم يكن مصريا ولا يعرف أحد هويته الوطنية أو الدينية على وجه التأكيد حتى اليوم ،لكن الغالبية العظمى من التيارات والأحزاب السياسية المصرية ذات الشأن خرجت من تحت عباءته باستثناء الأحزاب الشيوعية . هذا الرجل هو الشيخ جمال الدين الذي نعرفه في مصر بلقب الأفغاني وتعرفه شعوب أخرى بألقاب أخرى. وقيل إنه أصيب بمرض خطير في فمه فقطع له الطبيب الجزء المريض من لسانه فنزف حتى الموت . ولأن الأفغاني ماسوني عتيد وقطع اللسان طقس ماسوني، ولأنه كان قد أغضب قبل موته –لاعتزازه الشديد بنفسه - العثمانيين السنة وحكام إيران الشيعة والقيصر الروسي والبريطانيين فدمه موزع بين كل هؤلاء.
المصري الثاني الذي قُطع لسانه وتُرك ينزف حتى الموت كان الممثل عبد الغني قمر الذي يقال إنه كان عضوا في الحزب السري (التنظيم الطليعي) الذي أنشأه عبد الناصر ليحارب به عبد الحكيم عامر. ولما رحل عبد الناصر ترك عبد الغني قمر مصر وتقلبت به البلاد حتى حط رحاله في بغداد عندما كان صدام حسين نائبا لرئيس الجمهورية والحاكم الفعلي. وكان مهتما بجمع السياسيين والإعلاميين والفنانين المصريين تحت جناحه. لكن جناح صدام كاتم للأنفاس وصداقته كصداقة الذئب لا يؤمن جانبها. ويقال إن عبد الغني قمر، الذي كان جارنا في شبرا ساكنا في نفس العمارة التي كانت تسكنها ماري منيب، انساق ذات ليلة وراء موهبته الساخرة فأطلق العنان للسانه وأضحك جلساءه على صدام حسين. وفي الصباح التالي كان كل جلسائه قد أبلغوا صدام بما قاله الفنان المصري. لماذا؟ لأن كل واحد منهم خاف أن يسبقه غيره لإبلاغ صدام فتلبسه بذلك تهمة «علم ولم يبلغ».
وللحقيقة فأنا اعذر هؤلاء فقد زرت بغداد في تلك الفترة وشممت روائح الرعب في هوائها. كنت أعرف أن نظامها كان مرتبطا بموسكو ففوجئت بصحفي أمريكي يجلس بجواري في مطعم الفندق ويقول لي إنه في بغداد لأن صدام نقل ولاء النظام من موسكو لواشنطن. فتلفت حولي في ذعر وقلت له: لا أريد أن أعرف شيئا من أسرار دولة أمر بها كضيف عابر. حاول الرجل تهدئة مخاوفي ولكني هربت منه وصرت أتجنبه كلما لقيته في الفندق، رغم أني كنت أحلم بلقائه قبل ذلك بسنوات.
الشيخ جمال الدين مات مقطوع اللسان في اسطنبول. وعبد الغني قمر مات مقطوع اللسان في بغداد. أما في القاهرة، ورغم كل ما شهدناه من استبداد في كل العصور، فالقسوة موجودة وهي جزء من ممارسات كل نظام عرفناه، وجزء من ممارسات كل نظام سياسي، وأنا عشت 12 سنة في أوروبا الغربية وأعرف ما أتحدث عنه. لكنها أبدا لا تبلغ هذا الحد إلا في أحوال استثنائية .وقد قضى أبي ستة أشهر في السجن الحربي وأعرف ما أتحدث عنه. ولهذا فقد أذهلني أن أسمع في أحد شوارع وسط البلد شابا أنيقا أناقة هذه الأيام ذات البنطلون النازل والشعر المعجون بشحوم لماعة يقول لرفيق له : باسم يوسف ده يستاهل قطع لسانه!!
لا أشاهد باسم يوسف. أعجبني في البداية ثم استفزتني منه بعض الأمور، لكن هو حر هو وجمهوره. وبالمناسبة لقد كان فطين عبد الوهاب يسخر في أفلامه من جنودنا، من طريقة تفكيرهم وطريقة تصرفهم في مختلف المواقف، ومن يعرف جنودنا قبل دخول حملة المؤهلات إلى الجيش قد يرى أن فطين عبد الوهاب محقاً .لكني الآن لا أراه كذلك وإن كنت أرفض من يحجر على حق فنان في النقد.
عندما ظهر باسم يوسف اعتبرته تحديا لعقلية الإخوان المسلمين والسلفيين. عقلية هؤلاء الناس بريطانية فيكتورية نقلها للإخوان رشيد رضا في مدرسته بمنيل الروضة، ثم نشرها الإخوان بين جميع المتأسلمين . لكن الطبعة الإخوانية – السلفية من الأخلاق الفيكتورية أشد جمودا ونفاقا ومظهرية من الأصل البريطاني. وإذا كانت بريطانيا وأمريكا قد تجاوزتا الفيكتورية منذ زمن طويل فهي ما زالت مزدهرة عندنا بفضل وكلائها المحليين وبضاعتهم التي تجاوزها الزمن.
ويوجه باسم يوسف ،كما رأيته، ضربات موجعة لهذه الثقافة الفيكتورية لكن بطريقة قد تجعل كهلا مثلي يترك مشاهدته للشباب وينفر منه وإن كنت أنفر أكثر وأكثر من الإخوان المسلمين والسلفيين. وسأقول شيئا قد يبدو خارج الموضوع : زارني عصام العريان عدة مرات وكنت ألمس لديه حسا مصريا أصيلا بالفكاهة فلما قامت «هوجة» خمسة وعشرين يناير تعجبت مما جرى له، ووجدت فيه قسوة لم أعهدها من قبل.
نعود لموضوعنا: اختلفوا مع باسم يوسف كما شئتم ولكن تذكروا أن له ملايين المعجبين.لا تستهينوا بمكسب حققته الثقافة المصرية بظهوره على غلاف تايم ماجازين. اضغطوا عليه ضغطا متحضرا يستهدف أقل القليل من التعديل أما الغضب والتهديد والوعيد فهذه أمراض إخوانية سلفية ندعو الله أن يشفى منها الجميع : إسلاميين وشيوعيين وليبراليين وكل من أصابه ولو أقل القليل من داء النفاق الفيكتوري.
وإذا كان لي رجاء فأرجوكم أن تضغطوا عليه حتى يتوقف عن لبس باروكته المستفزة عند أداء فقراته الراقصة المستفزة.

مصدر الموضوع: الوفد








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات