أفكار بسيطة: 3 ـ فوق قمة العالم الصغير

الأربعاء 04 سبتمبر 2013 - 04:23 مساءً

أفكار بسيطة: 3 ـ فوق قمة العالم الصغير

خالد البرى

 مساحة أسطح العمارات موازية -تقريبا- لمساحة المنطقة المسكونة. يعنى لو عندنا ألف كيلومتر مربع مسكون، يبقى عندنا ألف كيلومتر مربع -تقريبا- أسطح عمارات. من نشؤوا فى القرى، أو من سمحت لهم الظروف بالتردد على بيت فى القرية يعلمون كيف كان سطح البناية لا يقل أهمية عن البيت نفسه. الفرن، حظائر الدجاج أو الأرانب، أبراج الحمام، كلها فوق السطوح، لكنها ليست النشاط الوحيد. جزء كبير من فوق السطوح جيد جدا للعب الأطفال، مع وجود سور عال يحفظهم من السقوط.

‎فى المدينة، السطوح مساحة مهدرة. رغم أن تنظيف السطوح لا يكاد يتكلف شيئا، ولو تعاون السكان لشراء مرجيحة واحدة، ومنط أطفال (بعيدا عن السور وحياتك)، وزحليقة، ويا سلام لو مسبح أطفال صغير، فلن يتكلف كل هذا أكثر من أربعة آلاف جنيه، وبالتقسيم على الشقق فنصيب كل شقة أقل من المدفوع للحضانة فى شهر، لكنه سيكون بالنسبة إلى أطفال العمارة جنة.

‎حياة المدينة، فى ظل غياب الحدائق العامة ونوادى الأطفال، حياة خانقة لطفل. وأسوأ من ذلك أنها تكبت طاقته الإبداعية والعضلية، وتصيبه باكتئاب ينعكس فى ضيق الخلق. الآباء والأمهات لا يكفون عن الشكوى من أطفالهم، وجنانهم، وعفرتتهم، لكنهم لا يقتطعون من أوقاتهم فرصة للتفكير فى الحياة من منظور طفلة صغيرة، الحياة بالنسبة إليها لهو ولعب، لكنها محبوسة بين أربعة جدران، تستمع طوال اليوم إلى منطق الكبار، ومشكلاتهم التى لا تفهمها، ولا تجد من تحكى له مشكلاتها المهمة جدا مع صديقتها الخيالية، أو السر الرهيب الذى حدث معها حين سحبت بسكوتة من الباكو بتاع زميلها على نفس التختة دون أن يدرى.. إلخ.

‎السطوح ليس فقط مكانا لتصريف كل هذا النشاط، ولو كان لكفى بذلك نفعا، لكنه مكان لالتقاء أطفال العمارة وأصدقائهم لتكوين شبكات اجتماعية صغيرة، وتبادل خبرات. صداقة الجيرة تختلف تماما عن صداقة الحضانة أو المدرسة، لأنها أقرب إلى الصداقة المجتمعية العادية، لأنها تتداخل مع العائلى، وليس فيها نوع الضوابط الموجودة فى الحضانات والمدارس. الحضانات والمدارس تؤهل الطفلة لحياة العمل فى المستقبل. لكن صداقات الجيرة تؤهله للحياة الاجتماعية، وللمنافسة الحرة، التى تختلقها هى وأصدقاؤها، بعيدا عن «كتاب الوزارة».

‎لو بدأت بناية واحدة فى تنفيذ هذه الفكرة، فلا شك عندى أنها لن تتوقف، لأن الأطفال أنبه منا إلى التقاط ما يريدون والتعبير عن رغبتهم فى الحصول عليه. ولن يسمح الأطفال لآبائهم بأن يحرموهوم المتعة العظيمة اللى فى عمارة الجيران. بمزيد من التعاون قد يستخدم سطح للعب، وآخر يكون مناسبا لمكتبة تعاونية يجمع فيها أطفال الحى كتبهم، ويتبرع آخرون بشراء كتب لها، بحيث يكون ممكنا لكل طفلة أن تقرأ أكثر من كتبها الخاصة. عمارة ثالثة لن تسمح لها ظروفها بنشاط دائم، لكنها تستطيع أن تجمع أطفال الحى فى حفلة موسمية -مرة فى السنة- مافيهاش عيد ميلاد، ولا فيها حد مميز. كلهم جايين يلعبوا مع بعض.

‎بناية أخرى بها شقة خالية يمكن أن توفر مكانا لألعاب الأشغال، القص واللزق، والتلوين، والصلصال. الأفكار البسيطة من أجل الأطفال لا تكاد تتوقف، والإمكانات المادية التى تحتاج إليها ليست العائق، صنع جيرانٌ لنا وأنا طفل مكتبة من ملايات السرير كان الوقت الذى قضيته فيها من أكثر الأوقات سعادة فى طفولتى، لذلك أتذكره حتى الآن. إنما العائق غياب فكرة التفكير فى الأطفال من منطق الأطفال، وبذل الجهد لتحقيق ما يسعدهم هم، وليس ما يسعدنا نحن إن رأيناهم يفعلونه. وتنظيم الوقت لكى يكون معهم دائما شخص راشد يضمن فقط سلامتهم.

‎أما بقى لو افترينا فى الطموح فمن الممكن أن تتحول الأسطح إلى Theme parks، بمعنى أن تكون أحدها مجهزة للعبة عسكر وحرامية، وأخرى مجهزة للعبة المطافئ، وغيرها للعبة السوق، ولعبة المعمل، ولعبة بيت البيوت. الخطوة الأولى -أكرر- التفكير فى الأطفال فى أثناء التفكير فى البناية، الكلام عن الأطفال بغير الشكوى بل بالمقترحات فى الحوارات العائلية وحوارات الجيران. بلاش ننكد عليهم من أولها. الأطفال يحتاجون إلى اللعب بالتعلم أكثر ألف مرة من حاجتهم إلى التلقين والنصائح والتوجيهات، وافعلوا ولا تفعلوا.

‎الفوائد الجانبية تعد ولا تحصى على شخصية الطفل. على الأقل تعرض الأطفال لضوء النهار، فى الأوقات المناسبة لذلك مهم جدا لاستقرارهم النفسى والبيولوجى، وأدعى إلى أن يتعلموا النوم مبكرا، وهو أمر -على أهميته فى بناء تركيز الأطفال- لا ينال منا عشر الاهتمام اللازم. كما أنه أدعى لتفتح أفقهم بسبب الرسائل البصرية التى تدخل إلى أعينهم من الإحساس بسعة الدنيا من حولهم.

مصدر الموضوع: التحرير






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات