كيف نتعامل مع الإعلاميين «المنفلتين»؟

الأحد 06 يناير 2013 - 04:12 صباحاً

كيف نتعامل مع الإعلاميين «المنفلتين»؟

ياسر عبد العزيز

 

فى شهر أكتوبر من العام 2010، كنت ضيفاً على برنامج «مصر النهارده» الذى كان يذاع على التليفزيون المصرى آنذاك، فى حلقة شهيرة تم تخصيصها لمناقشة ظاهرة «القنوات الدينية»، فى ظل تصاعد الانتقادات الحادة لأداء بعض تلك القنوات فى ذلك الوقت.
 
كان مسار الحلقة واضحاً، إذ بدأ بعرض بعض اللقطات المنتقاة من أسوأ تلك القنوات أداءً، ولبعض المذيعين والضيوف الأكثر حدة وتطرفاً وابتعاداً عن القيم المهنية، قبل أن تبدأ الأسئلة للضيوف، بالتزامن بالطبع مع بعض المكالمات الهاتفية من جمهور بدا طوال الوقت متحاملاً أشد التحامل على تلك القنوات ومن يظهر فيها.
 
كنت ولا أزال معترضاً بشدة على أداء معظم القنوات ذات الإسناد الدينى عندما تتصدى لمناقشة الأوضاع السياسية، خصوصاً عندما تستدعى قواعد غير سياسية إلى مواضع السياسة، وعندما تستضيف أهل علم معين وتخصص محدد، ليتحدثوا فى علوم وتخصصات لا يعلمون عنها ما يؤهلهم للبت فيها، وعندما تستخدم اللغة المسيئة والاقتراب غير المنطقى لتضليل الناس، أو الطعن فى إيمانهم.. وعندما ترتكب الخطأ الأكبر بمحاولة تأجيج الشعور الطائفى.
 
وبعدما نضجت الحالة تماماً، حيث تم عرض اللقطات المارقة المسيئة، بالأصوات الحادة و«المزعجة» لأصحاب الوجوه الصارمة والجباه المقطبة، وعبّر «الجمهور» عن رأيه بوضوح فى ضرورة «غلق تلك القنوات»، سألنى المذيع مباشرة: «ما رأيك فى هذا الأداء؟ هل تعتبر هذا إعلاماً؟».
 
عند هذه اللحظة بالذات، يكون الفخ قد أُحكم تماماً، إذ لا يجد الباحث أو الناقد المتخصص أى وسيلة للفكاك من قول ما يريد المذيع والبرنامج والمحطة التليفزيونية سماعه، أى: «هذا ليس إعلاماً، ويجب غلق تلك القنوات».
 
لكننى بالطبع لم أجب بهذه الإجابة أبداً، بل قلت إن «الجرعة الدينية ضرورية فى البث التليفزيونى، ولا يجب السماح بإغلاق أى قناة، وفى معظم دول العالم المتقدمة قنوات تقدم المحتوى الدينى، وجميع القنوات تخطئ، بما فيها القنوات التى لا تقدم محتوى دينياً، والحل يكمن فى إنشاء جهاز بتشكيل عريض ومتوازن، يصدر أكواداً مهنية، ويخضع الأداء للتقييم، ويتلقى الشكاوى فى حق أنماط الأداء المثيرة للجدل، ويرصد المخالفات، ويبت فيها، ويوقع عقوبات مالية بحق المخالفين».
 
قبل يومين، تكرر المشهد نفسه، لكن بصيغة أخرى. فقد كنت ضيفاً على إحدى القنوات ذات الإسناد الدينى، واتخذت الحلقة المسار نفسه؛ إذ بدأت بعرض «منتقى» لمخالفات مهنية لبعض القنوات ذات الإسناد الليبرالى، قبل أن تنهال تعليقات الجمهور المستنكرة الحادة التى تهاجم هؤلاء الإعلاميين «المدعين»، وقبل أن يتحدث المذيع عن ضرورة «تنظيف الإعلام»، ثم يسألنى: «ما تقييمك لما شاهدته؟».
 
ها هو الفخ يُنصب مرة أخرى، فكيف سيقيّم الباحث المتخصص تلك «الإساءات» الواضحة، خصوصاً أن المذيع يتحدث عن «الإعلام النظيف»، والضيف المشارك يؤكد على «القواعد المهنية»، و«الجمهور» المتصل يهاجم بعنف تلك «التجاوزات» الخطيرة؟ كانت إجابتى واضحة أيضاً: «الإعلام ليس مخلوقاً لذاته، وإنما هو انعكاس وتعبير ونتيجة لأوضاع سياسية واجتماعية سائدة. والأخطاء تقع على الجانبين؛ فكما يخطئ العاملون فى وسائل الإعلام ذات الإسناد الدينى، يخطئ هؤلاء العاملون فى الوسائل ذات الإسناد الليبرالى، والحل لن يأتى عبر القمع أو الغلق أو تكميم الأفواه».
 
ينتظر منك المذيع والبرنامج وصاحب المحطة والجمهور المشحون ضد «التجاوزات الإعلامية» أن تتخذ الموقف الواضح الصارم المريح: «هذا خطأ.. هذه جريمة.. يجب إغلاق هذه القنوات، ويجب إسكات هؤلاء المتجاوزين».
 
والواقع أن أى مدقق لا يمكن أن يتجاهل حجم الأخطاء الفادحة التى بات يحفل بها إعلامنا، سواء من القنوات ذات الإسناد الليبرالى أو الدينى، وأى متخصص لا يمكن أن يتساهل مع بعض تلك الأخطاء، لكن، فى الوقت نفسه، سيكون من الصعب على أى منصف أن يتجاهل أن الأخطاء تقع من الجانبين باطراد، وأن السبب الرئيس فيها يعود لكوننا نعمل بلا نظام إعلامى متكامل ورشيد، كما سيكون من الصعب أيضاً على أى عاقل أن يعتقد أن حل تلك المشكلة يمكن أن يأتى عبر سجن المخطئين أو شتمهم أو ترويعهم أو غلق قنواتهم أو تكميم أفواههم.
 
الأخطاء تقع، وستقع، فى أى ممارسة إعلامية، وعلينا أن ننظر إلى أخطاء فريقنا كما ننظر إلى أخطاء الفريق الآخر. والحل ليس فى الإغلاق والقصف وتكميم الأفواه، لكن الحل فى التنظيم عبر إنشاء جهاز مهنى بتشكيل عريض ومتوازن، وليس جهازاً سلطوياً يشكله الرئيس ومجلس الشورى للإشراف على تلك الصناعة، وهو حل يبدو أنه غير مفهوم أو غير مطلوب.

مصدر الموضوع: المصري اليوم






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات