الدستور شىء.. والشريعة شىء آخر!

الجمعة 16 نوفمبر 2012 - 07:26 صباحاً

الدستور شىء.. والشريعة شىء آخر!

أحمد عبد المعطي حجازي

 

إذا كنا نريد أن نطبق الشريعة ونجعلها المصدر الوحيد للقوانين كما تطالب جماعات الإسلام السياسى، فنحن لسنا محتاجين للدستور!
 
لقد ظلت الشريعة تطبق طوال القرون الماضية التى لم نكن نعرف فيها الدستور أو نتحدث عنه. وحين حصلنا على دساتيرنا الأولى فى هذا العصر الحديث لم نقحم فيها الشريعة التى ظللنا نرجع إليها كما نرجع لغيرها من مصادر التشريع التى تلبى احتياجاتنا، دون أن نسميها أو نحددها أو نقحمها هى الأخرى فى الدستور، وإلاّ حصرنا أنفسنا فى نطاق محدود، واستسلمنا للمتاجرين بالدين الذين يسعون لاغتصاب السلطة. وهذا هو بالضبط ما يريده المطالبون بالنص على تطبيق الشريعة فى الدستور الذى لن يكون فى هذه الحالة دستوراً، ولن يكون شريعة، وإنما هو تلفيق مشوه يناقض بعضه بعضاً، ويصح فيه ما قاله شاعر القطرين، خليل مطران، فى البيان الذى قدم به ديوانه وميز فيه بين القصيدة الجيدة والقصيدة الرديئة التى لا يصدر فيها الشاعر عن تجربة صادقة أو منطق جامع، وإنما هى ركام من كلام غير مترابط، كلمة من هنا،
 
وأخرى من هناك، و«بيت ينكر جاره ويشاتم أخاه». وهذا هو المعنى ذاته الذى عبّر عنه المصريون فى كلمة واحدة وصفوا بها المتخصصين فى تلفيق القوانين ووضعها، لا لتؤكد قيمة أو تضع حداً أو تقرر مصلحة، وإنما لتلبى احتياجات أصحاب السلطة، وتوافق أهواءهم ومطامعهم العارية، وتفصل لها ثياباً على مقاسها.. وهؤلاء هم «ترزية القوانين»، والأصح أن نقول «طرزية». لكن هؤلاء لا يستحقون الكلمة الصحيحة. فهم محترفو تزييف. وهم يواصلون حرفتهم التى أتقنوها وتمرسوا بها وأصبحوا «ترزية دساتير» يقحمون الشريعة فى الدستور، ويلبسون السلطة ثياب الدين.
 
تريدون تطبيق الشريعة؟ طبقوها، ولكن بعيداً عن الدستور، فالشريعة شىء، والدستور شىء آخر، والخلط بينهما يفسدهما معاً، ويجعل أحدهما قيداً للآخر يعطله ويبطل عمله.
 
الدستور هو العقد الاجتماعى الذى تضعه الأمة لنفسها، توضح فيه شخصيتها، وتحدد حقوقها وواجباتها، بوصفها صاحبة السيادة ومصدر السلطات، فهى التى تسن قوانينها، وهى التى تطبقها وتعد لها وتغيرها على النحو الذى يلبى حاجاتها التى تتطور وتتغير على الدوام.
 
وبما أن الدستور هو العقد الاجتماعى أو القانون الأصلى الذى تنبنى عليه كل القوانين، فهو مبادئ عامة، تؤكد ما تتفق حوله الأمة، وتتجنب ما تختلف فيه، فالدستور لا شأن له بما يخص فئة بالذات أو جماعة من الجماعات، وهو لا يعطى طبقة أكثر من طبقة أخرى، ولا يميز عرقاً أو لوناً، ولا ينحاز لدين أو عقيدة. وعلى هذا يكون الدستور تعبيراً عن المصالح العامة المشتركة التى تجمع بين المواطنين، وتوجب على كل منهم أن ينحاز لها، ويثبت وجوده ضمنها، ويحقق فى إطارها مصلحته الخاصة، ولا يتجاوزها وإلا اصطدم بالقانون. والدستور بهذا يخاطب فى الإنسان شعوره بالانتماء للجماعة الوطنية، وحسه العملى، وسعيه لتأمين حياته وتحقيق آماله وأحلامه وضمان حقه فى الحرية والعدل. والدستور بهذا لا شأن له بالدين، فالدستور عقد جامع يشارك فيه كل المواطنين. والدين اختيار فردى يختلف فيه المسلم عن المسيحى، والسنى عن الشيعى والبهائى والدرزى، والأرثوذكسى عن الكاثوليكى والبروتستانتى.
 
والدستور يحقق لنا المنفعة، أما الدين فيحقق لنا السلام الروحى واليقين، والدستور مبادئ وحدود وقوانين نلتزم بها ولا نتخطاها وإلا تعرضنا للعقوبة، أما الدين فعقيدة نؤمن بها ونطمئن إليها ونستفتى فيها قلوبنا ونصدق ما تخبرنا عنه وما تعدنا به. ولاشك فى وجود مساحة مشتركة تجمع بين الدستور والقانون من ناحية، وبين الدين والأخلاق من ناحية أخرى.
 
حين يكون القانون مستقيماً نافعاً وعادلاً ورحيماً وحكيماً، يخاطب ضمائرنا وعواطفنا، فنتمثله ونتعامل معه كما نتمثل القيم الدينية ونتعامل معها، لكنه يظل سلطة نخضع لها مختارين أحياناً ومضطرين أحياناً أخرى. أما الوازع الدينى والأخلاقى فهو العقيدة التى تحركنا من داخل أنفسنا، وهو الضمير الذى يوجهنا ويحاسبنا.
 
والمساحة المشتركة التى تجمع بين الدين والقانون كانت تجمع فى الماضى بين الدين وشؤون الحياة كلها، ففى الماضى كان الدين حاضراً فى كل شىء، وكان جواباً عن كل سؤال، فهو علم وفن، وحكمة وأخلاق، وتاريخ وطب، واجتماع واقتصاد، وسياسة وقانون. الحكام كانوا آلهة وأنصاف آلهة، ثم أصبحوا مفوضين من الله وظلالاً له وخلفاء على أرضه، وكان الانتساب للدين شرطاً أساسياً لاحترام السلطة والخضوع لها، لأن السيادة التى أصبحت للأمة فى العصور الحديثة كانت فى الماضى مستمدة من السماء.
 
ملوكنا الفراعنة كانوا آلهة وأبناء آلهة، وأباطرة الرومان، والإسكندر الأكبر أعلن أنه ابن الإله المصرى آمون، وفى كتاب «القوانين» لأفلاطون يسأل أحد الأثينيين رجلاً كريتياً: من هو المشرع الذى وضع لكم قوانينكم، إله أم إنسان؟ فيجيب الكريتى: لماذا؟ إن الذى شرع لنا القانون إله دون شك!
 
وفى العصور الوسطى كان الدين هو الدستور وهو القانون، عند المسيحيين وعند المسلمين على السواء، ومن هنا كانت الصراعات التى اشتعلت بين السنة والشيعة، وبين الملوك والأمراء الكاثوليك وكنيسة روما. الملوك يريدون أن يكونوا أصحاب السلطة المطلقة، وأن يكون لهم حق فى وضع القوانين التى تمكنهم من ممارسة السلطة، والكنيسة تريد أن تنفرد بهذا الامتياز، لأنها هى أصل السلطة أو هى التى تفوض الملوك بتوليها نيابة عن الله. وحول هذه المسألة يقول أحد كبار الأساقفة:
 
«دعهم يحموا أنفسهم إن استطاعوا بسياج من القوانين الوضعية أو التقاليد البشرية، ولكن عليهم أن يعلموا إن كانوا مسيحيين أنهم لن يحاسبوا على أعمالهم يوم الدين بالقانون الرومانى أو بغيره من القوانين الوضعية، وإنما بالقوانين الإلهية المقدسة، ففى الدولة المسيحية يجب أن تكون القوانين مسيحية، أى قوانين تتماشى مع تعاليم الدين المسيحى»، أليس هذا هو ما تقوله الجماعات الإسلامية وما حملته شعاراتها يوم الجمعة الماضى؟!
 
لكن المجتمعات الأوروبية تطورت وتقدمت وكشفت عن أسرار الطبيعة والمجتمع والإنسان، وميزت بين أمور الدنيا وأمور الدين.الدنيا حاجات ومصالح ومنافع ومعارف وخبرات تتطور وتتغير، والدين وحى مُنزل وحق ثابت مطلق لا يتغير ولا يتحول. نحن لانزال نولد ونموت، ونخاف ونرجو،
 
ونصح ونمرض، ونندم ونتألم، ونطلب من الله العون، ونقف أمام الغيب لا ندرى كما كان آباؤنا وأجدادنا يفعلون، ولا نجد الجواب إلا فى الدين وعقائده وشعائره كما لم يكونوا يجدونه هم أيضاً إلا فى هذه العقائد والشعائر. أما القوانين وأما النظم والقواعد التى نسير عليها ونواجه بها مشاكلنا الدنيوية ونعالجها، فقد اختلفت اليوم اختلافاً جوهرياً عن القوانين والنظم التى كانت سائدة من قبل، والسبب بدهى وواضح، وهو أن حياتنا تتطور، كما قلت، وتتغير وتتقدم فى كل المجالات الاقتصادية والسياسية والعقلية، غاياتنا تتطور، ووسائلنا تتطور، ونظرتنا لأنفسنا، ونظرتنا للآخرين، فمن الطبيعى أن تتغير القوانين والمؤسسات التى تحكم هذه التطورات وتنظمها وترعاها، والدستور إذن والقانون شىء، والدين والشريعة شىء آخر. والفصل بين الدين والدولة مبدأ جوهرى وشرط أساسى فى الدولة الحديثة، لا تكون الدولة بدونه مدنية،
 
ولا تكون ديمقراطية، ولا تكون للأمة سلطة، ولا للإنسان حقوق، ولا تكون المواطنة هى الرابطة المشتركة التى تجمع بين المواطنين وتسوى بينهم جميعاً فى الحقوق والواجبات، فإذا خلطنا بين الدين والدولة أو بين الدستور والشريعة، فتحنا الباب على مصراعيه للطغيان الذى سيتخذ الدين ستاراً يتحصن خلفه ويحتمى به من أى مساءلة، ويضع نفسه فوق كل حق وكل قانون، وقد رأينا كيف عُدلت المادة الثانية فى دستور 1971 لتصبح الشريعة المصدر الرئيسى للتشريع بعد أن كانت مصدراً من المصادر، مقابل السكوت على تعديل المادة السابعة والسبعين التى كانت تجيز إعادة انتخاب الرئيس مرة واحدة، فأصبحت تجيز انتخابه مرات بلا عدد! والمؤسف والمؤلم أن يقع هذا العبث وأن يحدث هذا الخلط عام 1980 بعد تسعة وتسعين عاماً بالضبط من ظهور برنامج الحزب الوطنى المصرى القديم، حزب عرابى، وعبدالله النديم، والإمام محمد عبده، الذى نُشر برنامجه عام 1881، وفيه تقول
 
المادة الخامسة: «الحزب الوطنى حزب سياسى لا دينى، فإنه مؤلف من رجال مختلفى العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان، وأن حقوقهم فى السياسة والشرائع متساوية، وهذا مسلّم به عند أخص مشايخ الأزهر الذين يعضدون هذا الحزب ويعتقدون أن الشريعة المحمدية الحقة تنهى عن البغضاء وتعتبر الناس فى المعاملة سواء..».
 
من حق الأستاذ جمال البنا أن يتساءل فى مقاله الأخير فى هذه الصحيفة عن تطبيق الشريعة، نهضة أم نكسة؟ والجواب واضح فى السؤال!

مصدر الموضوع: المصري اليوم








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات