إهانة الشعب.. والفشل السياسي

الجمعة 21 سبتمبر 2012 - 05:50 صباحاً

إهانة الشعب.. والفشل السياسي

وحيد عبد المجيد

 

«إهانة» الرئيس جريمة خطيرة يُعاقب من يرتكبها، أما إهانة الشعب فهى مباحة ولا عقاب عليها أو مساءلة من أى نوع، ويحدث هذا فى مصر حتى اليوم بعد ثورة عظيمة أسقط فيها الثوار رئيساً ذهب هو ورجاله إلى أبعد مدى فى إهانة الشعب شفوياً، بخلاف قهره وظلمه وإذلاله وسرقته عملياً.
 
فلايزال مسؤولون كبار يهينون الشعب حتى اليوم مثلما فعل أسلافهم، وسمعنا من بعضهم قبل أيام إهانات تشبه تماماً ما صدر عن عمر سليمان وأحمد نظيف، على سبيل المثال، بشأن قدرة الشعب على الارتفاع إلى المستوى الذى يرضى «سادته».
 
فقيل إن مشروع النهضة يتطلب شعباً مؤهلاً ومتحمساً!! كما سمعنا إعادة إنتاج الاتهام النمطى المهين، الذى يتعرض له المتظاهرون، وهو أنهم مأجورون أو عملاء. ولا تختلف الإهانات التى لحقت بمتظاهرى السفارة الأمريكية قبل أيام عن مثيلتها التى صدرت عن جنرالين أهانا شبابنا، الذين قبضوا على جمر الثورة، حين وظّف المجلس العسكرى إمكانات الدولة لمحاصرتها والقضاء عليها.
 
وهى الإهانات نفسها التى تعرض الشعب إلى مثلها من كثير من وزراء داخلية حسنى مبارك وأنور السادات وغيرهم من المسؤولين على مدى عقود.
 
فإهانة الشعب إذن مباحة يلجأ إليها من يفشلون فى تحمل مسؤولياتهم وأداء واجباتهم العامة. أما نقد الرئيس، ومن قبله الملك والسلطان والخديو والوالى وصولاً إلى الفرعون، فهو مرفوض. وإذا زاد على حده، أو أراد أركان النظام إرهاب الناقدين، فما أيسر ملاحقة بعضهم بدعوى الإهانة التى يمكن أن تتسع لكثير من أوجه النقد.
 
وإذا كان سهلاً اتهام كاتب ومفكر فى مستوى عباس محمود العقاد بالعيب فى الذات الملكية، فليس صعباً اتهام بعض من ينتقدون الرئيس بالعيب فى الذات الرئاسية. فما إهانة الرئيس إلا إعادة صياغة للعيب فى الذات الملكية.
 
وليت من لا يقدّرون خطر استمرار تجريم النقد بذريعة إهانة الرئيس يعودون إلى المقالات، التى سُجن العقاد بسببها عام 1930 ليعرفوا حجم هذا الخطر على الحرية التى انتزعها شعبنا بدماء شهداء ثورته وتضحيات مصابيها، وقد نُشرت تلك المقالات البديعة من حيث مبناها ومعناها فى صحيفة «المؤيد الجديد» فى سبتمبر 1930 نقداً لإصدار دستور قيد الحريات بعد إلغاء دستور 1923، وهجوماً على مهادنة الاحتلال البريطانى، وحرمان الشعب من حقوقه الأساسية، ومع ذلك أُلقى به، وكذلك صاحب صحيفة «المؤيد» فهمى الخضرى، فى السجن بدعوى «العيب فى الملك فؤاد»!
 
كانت العدالة تقتضى محاكمة هذا الملك ورئيس الوزراء إسماعيل صدقى، الذى عينه بهدف تصفية ما بقى من روح ثورة 1919 وإنجازاتها. فقد أمعنا فى إهانة المصريين والتفريط فى قضيتهم الوطنية ومحاربة المناضلين، من أجل تحقيق الاستقلال واستعادة الدستور الذى انتزعوه بُعيد تلك الثورة.
 
وهكذا كان الوضع معكوسا فى بلادنا، ولا يزال. فمن يهينون الشعب لا يُحاسبون سواء على هذه الجريمة أو على سوء أدائهم الذى يدفعهم إلى التطاول على المصريين. فلا يلجأ مسؤول فى الدولة إلى التطاول على الشعب وإهانته إلا إذا فشل فى أداء واجبه، وما إهانة الشعب إلا محاولة لتحميله المسؤولية عن هذا الفشل أو بحثا عن ذريعة للهرب من استحقاق سياسى أو اقتصادى أو غيرهما.
 
ففى إمكان المسؤول أن يهين الشعب لتغطية فشله سياسيا. أما إذا أراد أحد أفراد هذا الشعب ممارسة حقه فى نقد المسؤول الأعلى، فيصبح معرَّضا للوقوع تحت طائلة النص القانونى البشع الذى يُيسر ملاحقته بدعوى إهانة الرئيس أو العيب فيه.
 
كان هذا الوضع المعكوس هو أحد الأسباب التى أدت إلى تراكم النار تحت الرماد، إلى أن اشتعلت فى 25 يناير 2011، وإذا كان مكر الماكرين نجح فى إطفاء شعلتها قبل أن تحقق أهدافها، فلا يزال ثمة أمل فى أن يستوعب الحكم الجديد الدرس، ويدرك ضرورة تصحيح الوضع المعكوس فى العلاقة مع الشعب.
 
كما يتعين على المدافعين عن حقوق الشعب وحريته ملاحقة أى مسؤول أو سياسى يهين المصريين، والإصرار على محاسبته قضائيا، وليس فقط إدانته سياسيا. فالمسؤول الذى يتهم شباباً مصريين بأنهم مأجورون عليه أن يثبت ذلك أو يُعاقب على إهانة مصريين.
 
وعندئذ، فقط، يمكن أن نتطلع إلى وضع طبيعى يباح فيه نقد رئيس الجمهورية على أدائه، حتى إذا حدث شىء من الشطط فى هذا النقد، ولا يستطيع أى من أصحاب السلطة إهانة الشعب لتغطية فشله أو إفلاسه السياسى.

مصدر الموضوع: المصري اليوم






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات