الرسالة الإلهية حركة تغييرية

السبت 10 يوليو 2010 - 08:51 مساءً

الرسالة الإلهية حركة تغييرية

الرسالة الإلهية حركة تغييرية

 

(... إنّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم) [الرعد: 11].
(وَيا قَوم ما لي أدعُوكُم إلى النجاةِ وَتدعُونَني إلى النّارِ تَدعونَني لأكُفُرَ اللهِ وَأشرِكَ بِه ما لَيسِ لِي بهِ عِلمٌ وَأنا أدعُوكُم إلى العَزيز الغفّار) [غافر: 41- 42].
إنّ دراسة وتحليل بنية الدعوة الإلهية وفكرها ونظمها ومقوّماتها وأهدافها، توصلنا إلى أنّها حركة تغييرية تستهدف تغيير الواقع الفكري والإجتماعي للإنسان، وليست دعوة توفيقية ترضى بالتوافق أو تقرّ الحالات المنحرفة والمتناقضة مع مبادئها، فهي تقوم على أساس الإيمان بالله الواحد الأحد والدعوة إليه ليوحّد ويُبعد في الأرض.
ومن هذا المنطلق الكبير والقاعدة الفكرية الواسعة تتضح الطبيعة التغييرية للرسالة الإسلامية فهي دعوة إلى تغيير الفكر ومحتوى الذات من العواطف والمشاعر والملكات والقوى النفسية كقاعدة أساسية لأحداث التغيير الشامل في السلوك والعلاقات والنظم والحضارة ومنهج الحياة، ويوضّح القرآن: (إنّ اللهَ لا يُغَيِّر ما بقومٍ حتّى يُغِّيروا ما بأنفُسِهِم) [الرعد: 11].
وإنّ القلب السليم هو أساس سلامة البناء واستقامة الفرد والجماعة واستحقاق المثوبة.
قال تعالى: (يَوم لا ينفعُ مالٌ وَلا بَنونَ* إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ) [الشعراء: 88- 89].
لذلك نجد القرآن يبني حركة التغيير الإجتماعي بما فيها من سياسة وإقتصاد وسلوك إجتماعي على أساس تغيير طبيعة الذات الإنسانية ومحتواها الداخلي.
فالتغيير يبدأ من أعماق النفس وتطهير الذات والوجدان لصياغة القلب السليم، الخالي من نوازع الشر، واستجابات الضلال والإنحراف وترسّبات العقل الباطن غير السوية. ومن دراسة الآيات التي تحدّثت عن بنية الرسالة الإسلامية والمبادئ التي تدعو إليها، نفهم أنّها رسالة مغيّرة جاءت لتستأصل الواقع الجاهلي بكامل أبعاده، وتجتث البنية الجاهلية من جذورها.
فهي دعوة هدم وبناء، وتغيير الفكر ومنهج التفكير المادي وطريقة الفهم.
وتغيير العقيدة والقاعدة الفكرية للحياة.
وتغيير المشاعر والوجدان والعواطف البشرية.
والعلاقات والروابط الإنسانية وتفسير السلوك والتحولات الإجتماعية والتاريخية.
وتغيير النظم والقوانين.
ومجرى الحياة.
فهي حركة دؤوبة لبناء الفرد والمجتمع والدولة بشكل متميز، وتغيير مستمر يقوم على أساس الهدم والبناء.
إنّ قراءة الآيات التي ذكرناها آنفاً تكشف المنهج التغييري في الرسالة الإسلامية، ورفض الحالة والتوافقية مع الجاهلية بشتّى مذاهبها ومدارسها الفكرية والإجتماعية، التي اتخذت في عصرنا الحاضر صيغاً تنظيرية، واتجاهات ومدارس فلسفية وسياسية وإقتصادية ونفسية، لتفسير الطبيعة والفكر والسلوك والحياة الإجتماعية، تخالف الإتجاه والمتبنى الإسلاميين فهي تبدأ من تغيير الفكر والعقيدة، وبناء القاعدة الفكرية على اسس عقلية وعلمية رصينة، نقرأ هذا التغيير والإنقلاب الفكري العقيدي الشامل في قوله تعالى: (تَدْعونَني لِأكْفُرَ باللهِ وأشْرِكَ بهِ ما لَيسَ بِهِ عِلمٌ وَأنا أدعُوكُمْ إلى العَزيز الغفّارِ) [غافر: 42].
(وَأعتزِلكُم وَما تَدعُونَ مِن دونِ اللهِ وَأدعو رّبِّي) [مريم: 48].
(ذلكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ) [الحج: 6].
(وَأنَّ ما يَدعونَ مِن دونِهِ الباطلُ) [لقمان: 30].
(فَمن يَكْفُرْ بالطّاغوتِ ويؤمن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انفَصامَ لَها) [البقرة: 286].
وهكذا تبدأ الرسالة الإلهية انطلاقتها من الفكر والعقيدة، لتكون قاعدة البناء والأساس لأقامة الصرح، وتحديد مسار الحياة، فهي دعوة إلى توحيد الله كقاعدة للبناء الحضاري والوضع النفسي والإجتماعي بأسره.
ثمّ تنطلق لتطهير الذات وتغيير المحتوى الداخلي للإنسان بمشاعره ووجدانه من الحب والكراهية والسخط والرضا... إلخ، وبنائها على أساس من عقيدة الإيمان بالله سبحانه.
ثبّت القرآن هذه الحقيقة بقوله: (وَالمؤمنونَ وَالمؤمناتُ بَعضُهُم أولياءُ بَعضٍ) [التوبة: 71].
(إنَّما وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسولهُ وَالَّذينَ آمَنُوا) [المائدة: 55].
(محمَّدُ رِسولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماء بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29].
(يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذوا الكافِرينَ أولياءَ...) [النساء: 144].
(لا تَجدُ قَوماً يُؤمِنونَ باللهِ وَاليومِ الآخِر يُوادّونَ مَنْ حادَّ اللهَ وَرَسُولهُ) [المجادلة: 22].
ووطّد الرسول الأكرم محمد (ص) العلاقات النفسية والعاطفية بين المؤمنين بقوله: "أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله".
"لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه".
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً".
خير الناس من نفع الناس".
وبهذه الأسس والمبادئ غيّر الإسلام المشاعر والعواطف والدوافع النفسية والخلقية، فنظمها وشادها على أساس التولي لله ولرسوله وللمؤمنين والتبرؤ من أعداء الله.
ويصف القرآن العمق الوجداني والتفاعل بين العقيدة والعاطفة، والمشاعر التي تمنح القناعة الفكرية حافزاً نفسياً وحركة وجدانية فيقول:
(وَإذا سَمِعُوا ما أنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهُمْ تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ ممّا عَرَفوا مَنَ الحَقَّ يَقولونَ رَبَّنا آمنّا فاكْتُبنا مَعَ الشّاهِدِين) [المائدة: 83].
(اللهُ نَزَّلَ أحسَنَ الحَديثِ كِتاباً مُتشابِهاً مَثانيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذينَ يَخْشَونَ رَبَّهُم ثُمَّ تلينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إلى ذِكِر الله ذلكَ هُدى اللهِ يهدي بِهِ مَن يَشاءُ وَمَن يُضْلِل اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) [الزمر: 23].
(وَقُرآناً فَرَقْناه لتقرأهُ عَلى مُكثٍ وَنَزَّلناهُ تَنْزِيلاً * قُل آمِنوا بِهِ أوْلا تُؤمِنوا إنَّ الَّذِينَ أوتوا العِلمَ مِن قبلِهِ إذا يُتلى عَلَيهِم يَخِرّونَ للاذقانِ سُجَّداً * وَيَقولونَ سُبحانَ رَبَّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لمفعولاً * وَيَخرّونَ للأذقان يبكُونَ وَيَزِيدُهُم خُشُوعاً) [الإسراء: 106- 109].
 





إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات