الصقور والغربان

السبت 17 أبريل 2010 - 02:09 صباحاً

الصقور والغربان

الصقور والغربان

 

صناعة التأثير وهندسة الحياة تبدأ من أعماق الذات، إذ من لم يكن صقراً له همة عالية، وطموح سامق، فلن يستطيع أن يسلك سبيل التأثير، وإن سلك فسرعان ما يتوقف، ذلك أن هذا الطريق ليس طريقاً سهلاً مفروشاً بالأزهار والرياحين وإنما هو طريق جاد يحتاج إلى رجال كاملي الرجولة وليس إلى أنصاف رجال.
والهمة هي استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وكلما كانت نفس الإنسان عزيزة عليه، كريمة لديه، مقدرة عنده، ارتفع بها عن كل ما يحط من قدرها، فهي عنده كالطائر الذي حلق في السماء، وارتفع عن الدنايا والآفات، لسان حاله يقول:
له همم لا منتهى لكبارها
وهمته الصغرى أجلّ من الدهر
والناس متفاوتون في الهمم، ولذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها، فهمة متعلقة بالعرش، وهمة حائمة حول الأنتان والحش".
كن كالصقور على الذرا
تصغي لوسوسة القمر
لا كالغراب يُطارد
الجيف الحقيرة في الحفر
ويمكن تصنيف الناس فيما يتعلق بالأهداف وبالهمم الموصلة إلى هذه الأهداف إلى أربعة أصناف رئيسة وهي:
صنف له أهداف سامية ومطالب عالية، وليس له همة توصله إليها، فهذا صنف متمنٍّ مغرور.
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وصنف له أهداف متواضعة ومطالب هابطة، وله همة عالية توصله إليها، فهؤلاء أضاعوا أنفسهم في سفاسف الأمور ودناياها، فلا خير فيهم.
وصنف له أهداف متواضعة ومطالب هابطة، وليس له همة توصله إليها، فهو معدود من سقط المتاع، وموته وحياته سواء، لا يُفتقد إذا غاب، ولا يُسأل إذا حضر.
إذا أنت غمَّت عليك السماء
وضلَّت حواسك عن صبحها
فعش دودة في ظلام القبور
تغوص وتسبح في قبحها
وصنف له أهداف سامية ومطالب عالية، وله كذلك همة عالية توصله إليها، فهؤلاء هم صناع التأثير ومهندسو الحياة، وهم الأرقام الصعبة، فلله درهم.
لقد أثنى القرآن الكريم على الصنف الرابع، وأبان فضلهم على غيرهم، فقال تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى" وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) (النساء).
ويقول تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما \ستكانوا والله يحب الصابرين 146 (آل عمران).
وهذا رسولنا الكريم يضرب أمثلة راقية سامقة في علو همته وسمو نفسه فضلاً عن علو أهدافه وسمو مطالبه، فلقد كان يسأل الله تعالى الوسيلة، وهي أعلى منزلة في الجنة، وعلمنا { أن تكون هممنا بأعالي الجنان.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله {: "يا أم حارثة، إنها لجنان، وإن حارثة في الفردوس الأعلى، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس" (مسند أحمد).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي { ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم"، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى"، فكان سجوده قريباً من قيامه". (رواه مسلم).
ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "صليت مع رسول الله { فأطال حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه". (رواه مسلم).
وانظر كذلك إلى همة رسول الله { في الجهاد ومقارعة الكافرين، حيث إنه ما إن خرج من غزوة الأحزاب "بعد التعب والبرد الشديد والحصار الكبير" حتى شن حرباً ضروساً على قيادة النفاق والخيانة في بني قريظة، بعد أن ذهب الصحابة رضي الله عنهم ليستريحوا بعد محنتهم فيناديهم النبي {: "من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى الراية علي بن أبي طالب.
وها هو رسول الله { يقطع بالمسلمين الصحراء في حر الصيف إلى تبوك للقاء الروم وتحطيم كبريائهم.
وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: "كنا إذا حمي الوطيس نحتمي برسول الله {".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله {: "لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس" (رواه البخاري ومسلم والترمذي).
وفي لفظ مسلم: "لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجل من أبناء فارس حتى يتناوله".
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله {: "ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان" (رواه الطبري).
ويقول الرسول {: "لكل قرن سابق" (رواه أبونعيم في الحلية عن أنس).
ترى من السابق ومن المتخلف؟ ومن المجاهد ومن القاعد؟ ومن الصقور الشوامخ ومن الغربان التي لا تقع إلا على الجيف الحقيرة.. جعلنا الله جميعاً من الصنف الأول.





إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات