إصلاح ذات البين

الأحد 23 فبراير 2014 - 01:32 مساءً

إصلاح ذات البين

صورة أرشيفية

  
الحمدلله رب العالمين...
أما بعدُ:
فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - عز وجل – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

أيها المسلمون:

من هداية الله تعالى للمؤمنين، ورحمته بهم، أن وحد كلمتهم بالإسلام، وجمع قلوبهم بالإيمان، فلمّ به شعثهم، وأزال ضغائنهم، وشفى صدورهم، فكانوا إخوة في دين الله تعالى متحابين متجالسين متباذلين، كالبنيان يشد بعضه بعضا {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}
وما من سبيل يزيد من لُحْمَة المؤمنين، ويؤدي إلى ترابطهم وتآلفهم إلا جاءت به الشريعة وجوبا أو ندبا، وما من طريق تؤدي إلى التفرق والاختلاف، والضغينة والشحناء، إلا حرمتها الشريعة، وأوصدت طرقها؛ ولذلك أمرت الشريعة بالبر والصلة، وحرمت العقوق والقطيعة.
وأرشدت إلى كثير من الآداب والأخلاق وحرمت الشريعة الهمز واللمز والسخرية، وغير ذلك من الأقوال والأفعال التي من شأنها أن تسبب الضغائن، وتؤجج نيران الأحقاد والعداوات.
ومع كل هذه الاحترازات الشرعية فإن الإنسان وهو يعيش صخب الحياة ومشكلاتها لا بد أن يعتريه غضب وسهو وغفلة فيعتدي على أخيه بقول أو فعل في حال ضعف منه عن كبح جماح نفسه فيتسبب ذلك في الخصومة والقطيعة التي يغذيها الشيطان،
وقد رتب الإسلام أجورا عظيمة على الحلم وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ولكن الشيطان وإن أييس أن يعبده المصلون فإنه لم ييأس من التحريش فيما بينهم
من أجل ذلك شرع الإسلام إصلاح ذات البين، وأمر الله تعالى به، وأباح للمصلحين ما حرَّم على غيرهم، ورتب أعظم الأجور على هذه المهمة العظيمة.

أيها المسلمون:

الإصلاح عنوان الإيمان في الإخوان: "إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات:10]
والإصلاح مصدر الطمأنينة والهدوء ومبعث الاستقرار والأمن، وينبوع الألفة والمحبة.
ولقد جاء في كتاب الله وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - منَ الترغيب في الإصلاح والحث عليه، ما بمثله تقوى العزائمُ على فِعْل الخير، وتتشوف النفوس لبذل المعروف؛
قال الله - تعالى -: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]، وقال - سبحانه -: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]،

وقال - جل وعلا -: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}
وقال -: ((كل سُلامى من الناس عليه صدقةٌ، كل يومٍ تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقةٌ، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقةٌ، وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتميط الأذى عن الطريق صدقةٌ))،
وقال --: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة لاأقول تحلق لشعر ولكن تحلق الدين) رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
وعن أنسٍ - رضي الله عنه - أن النبي - - قال لأبي أيوب: ((ألا أدلك على تجارةٍ؟))، قال: بلى، قال: ((صِلْ بين الناس إذا تفاسدوا، وقرِّب بينهم إذا تباعدوا)). رواه الطبراني وحسنه الألباني

أيها المسلمون:

ولقد بلغ من محبة الإسلام للصلح أنْ أجاز من أجله الكذبَ والتوسُّع في الكلام؛ قال - -: ((ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا)) متفق عليه
**وقد حرَص إمامُ الأمة، وقائدها، وقدوتها - عليه الصلاة والسلام - على الصُّلح، وسعى فيه، وباشره بنفسه.
فعن كعب بن مالكٍ أنه تقاضى ابن أبي حدردٍ دَينًا كان له عليه في عهد رسول الله -  في المسجد، فارتفعتْ أصواتُهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهما، حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعبَ بن مالكٍ،
فقال: ((يا كعب))، فقال: لبيك يا رسول الله،
فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال كعبٌ: قد فعلتُ يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((قُم فاقضِه)).رواه البخاري
وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أن أهل قباءٍ اقتتلوا حتى ترامَوا بالحجارة، فأُخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: ((اذهبوا بنا نصلح بينهم))،البخاري

أيها المسلمون:

الإصلاحُ بين الناس مهمةٌ عظيمةٌ، وعملٌ جليلٌ، لا يقوى عليه إلا الرجالُ الأخيار، ولا يتحمله إلا الأسيادُ الأبرار، ممن شرُفتْ أقدارُهم، وكرمت أخلاقُهم، وطابت معادنُهم، وزكَت نفوسُهم،
وقد امتدح النبي - - بذلك الحسنَ بن علي - رضي الله عنهما - فعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يُقبِل على الناس مرةً وعليه أخرى،
ويقول: ((إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين منَ المسلمين))،
وقد كان من أمره - رضي الله عنه - كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام - حيث قدَّم مصالح المسلمين العامة على منفعةٍ خاصةٍ، وآثر الباقية على الفانية، وتَرَك الرئاسة، وزهد في الزعامة، وتنازَلَ عن الخلافة لمعاوية - رضي الله عنهم أجمعين – حقنًا لدماء المسلمين، وإصلاحًا لشأنهم، وإيثارًا لمصلحة اجتماعهم، وائتلاف قلوبهم.
إن المكارم كلها لو حصلت**رجـعت جمـلتها إلى شـيئين
تعظيم أمر الله جل جـلاله **والسعي في إصلاح ذات البين

أيها المسلمون:

وحين يترقى أصحاب المروءات من المصلحين الأخيار، ليبذلوا من أوقاتهم، ويغرموا من أموالهم، ويصرفوا جاههم، ويريقوا ماء وجوههم،
فقد قدَّر الإسلام لهم مروءتهم، وحفظ معروفهم، ولم ينسَ لهم حُسناهم ولا جميلهم، فجعل لهم في الزكاة نصيبًا؛ لئلا يجحف بهم إصلاحهم وبذلهم،
قال - سبحانه -: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
والغارم:الذي عليه الدين إما لمصلحته كحاجة بيته، أو ليصلح بين الناس
وعن قبيصة بن المخارق - رضي الله عنه - قال: تحملتُ حمالةً، فأتيتُ رسول الله - - أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها))، ثم قال: ((يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثةٍ: رجلٌ تحمل حمالةً، فحلَّت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك...)) الحديث.

أيها المسلمون:

ذلكم شيءٌ من فضل الصلح، وتلكم جوانبُ مما ورد في الحث عليه، واهتمام الإسلام به، وتكريم أهله، فأي نفسٍ بعد ذلك تأباه وتعرض عنه؟
والأشد من ذلك والأنكى - أيها المسلمون - أن ترى فئاتٍ من الناس جعلوا من أنفسهم مصدرًا للشرور، ومنبتًا للعداوات، واتخذوها مطايا لنقل الكلام، وحمل أسباب الخصام، وسمحوا في مجالسهم بترديد الشائعات، وتلفيق الأكاذيب، يلهبون نار الشحناء، ويوقدون سعير البغضاء، كلما خبت نار الفتن أوقدوها وأشعلوها، فلا غرو بعد ذلك أن تضيع الحقوق، وتهدر الحرمات، ولا عجب أن يرق الدين، وتنزع البركات، تفسد بيوتٌ، وتتفكك أسرٌ،
! وقد كان بالإمكان حل تلك القضايا، والقضاء على تلك الأمراض، لو أن المسلمين احتسبوا الأجر والثواب، وسارعوا إلى الإصلاح ولم يتباطؤوا فيه.
ألا فاتقوا الله - أيها المسلمون – وأصلحوا ذات بينكم...
{وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}
أقول ما تسمعون واستغفر الله...

الخطبة الثانية

الحمدلله على إحسانه.....
أما بعدُ:
فاتَّقوا الله - تعالى - وأصلحوا ذات بينكم.

أيها المسلمون:

وللإصلاح فقه ومسالك دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون.
إن من فقه الإصلاح النية، وابتغاء مرضاة الله، وتجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية. إذا تحقق الإخلاص حل التوفيق وجرى التوافق وأنزل الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.

أما من قصد بإصلاحه الترؤس والرياء وارتفاع الذكر والاستعلاء فبعيد أن ينال ثواب الآخرة، وحري ألا يحالف التوفيق مسعاه "وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً" [النساء:114].
ومن فقه الإصلاح سلوك مسلك السر والنجوى إلا ماكانت المصلحة في إعلانه.
ولئن كان كثير من النجوى مذموماً فإن ما كان من صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس فهو محمود مستثنى:"لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً" [النساء:114].
وهذا فقه في الإصلاح دقيق، فلعل فشل كثير من مساعي الصلح ولجانه بسبب فشو الأحاديث، وتسرب الأخبار، وتشويشات الفهوم مما يفسد الأمور المبرمة والاتفاقيات الخيرة.

أيها المسلمون:

ولقد سعى بعض المباركين في هذه المحافظة لإنشاء لجنة لإصلاح ذات البين والاستشارات الأسرية فتم لهم ذلك بحمدالله تحت مظلة لجنة التنمية الاجتماعية الأهلية مشكورة والتي لا يخفى على الفطن جهودها التي تذكر في كل حين فتشكر.
وقد جعلت هذه اللجنة نصب عينيها ومن أهم أهدافها تحقيق المودة والمحبة بين إفراد المجتمع على اختلاف أطيافهم ،والحرص على رأب الصدع الناتج عن الخلافات الشخصية أو الخلافات الأسرية بدراسة أسبابه وإيجاد أنجع الحلول له تحت خصوصية تامة ،بالإضافة إلى المساهمة بتوعية المجتمع بدور الأسرة وعلاقة أفرادها بعضهم ببعض والحد من المشاكل المترتبة على تباعد أفرادها.
أيها الأحبة:
ويحسن بكل عاقل قد شنف سمعه بشيء من فضل الإصلاح بين الناس أن يكون له حظٌ ونصيبٌ من هذا الشرف العظيم ، وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً"
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصالحين المصلحين ،
وأن يوفقنا جميعًا لصالح القول والعمل والنية ، وأن يجعلنا ممن يستعملهم في طاعته ، وأن نكون مفاتيح للخير ومغاليق للشر،إنه على كل شيءٍ قدير .
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خطبة عن إصلاح ذات البين في يوم الجمعة 19/11/1433هـ بجامع عثمان بن عفان بمحافظة الحريق لخطيب الجامع الشيخ / خالد بن إبراهيم الحمود ــ القاضي بالمحكمة العامة بمحافظة الحريق






ولعملاء يمكنك الاشتراك بسهوله فى خدمة الاخبار العاجله المقدمه من موقع اسماعيلية اون لاين




إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات