فقه النساء ...د.محمد عثمان الخشت

الاثنين 17 فبراير 2014 - 01:18 مساءً

فقه النساء ...د.محمد عثمان الخشت

صورة أرشيفية

 الثقافة السليمة في العلاقة الحميمة - الجزء الأول
الثقافة الجنسية
الثقافة السليمة في العلاقة الحميمة د.محمد عثمان الخشت

مفهوم العلاقة الحميمة:
هي العلاقة الجنسية بكل أبعادها الجسدية والنفسية والروحية، فليس الجنس علاقة جسدية فقط! بل هو حالة تفاعل عاطفي وجداني روحي جسدي، في إطار الزواج الشرعي. وهذه العلاقة الحميمة لا مجال لها خارج هذا النطاق تحت أي ظرف، ولا تجوز تحت أي شكل من الأشكال سوى الزواج.
والثقافة الجنسية جزء من الثقافة العامة . وتدخل من زاوية خاصة في إطار الثقافة الصحية وثقافة الجسد، ولاسيما معرفة الأعضاء التناسلية ووظائفها باعتبارها جزءا من الجسد الإنساني لا ينبغي أن يجهله الإنسان؛ فالأعضاء الجنسية بضع من الإنسان مثل الجهاز التنفسي و الجهاز الهضمي، ليس محرما في ذاته، بل التحريم يأتي فقط عند التعامل معه خارج ما يسمح به الشرع . والعلاقة الزوجية هي المجال الوحيد للممارسة الوظائف الغريزية لهذه الأعضاء.

الثقافة الجنسية ومصادرها:
الحديث عن العلاقة الحميمة يجوز ما دامت المناسبة مشروعة، والأسلوب راقيًا، والهدف هو مصلحة الناس. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة كيف يأتون زوجاتهم، وماذا يقولون عند الجماع. ومن المعروف لكل قارئ لكتب الفقه الإسلامي أنه يتناول القضايا الجنسية بصراحة ووضوح وبشكل أخلاقي وتربوي ومنطقي وعملي.

وقد يختلف علماء النفس والتربية حول السن المناسبة لابتداء الثقافة الجنسية العلمية؛ فبعضهم يطرح تقديم هذه المعلومات في سن مبكرة، بينما الآخرون يقترح سناً أكبر. ولكن الجميع يتفقون على ضرورة إعطاء معلومات مبسطة وعلمية مناسبة وبلغة هادئة منطقية بعيدة عن الإثارة أو الابتذال .
ومن الضروري إجابة الأب والأم عن تساؤلات أطفالهم حول الأمور الجنسية بشكل متدرج ويتناسب مع أعمارهم مع مراعاة اللغة المناسبة والمعلومة المناسبة والمكان المناسب والظرف المناسب، دون إفراط أو تفريط، فليس مفيداً إعطاء كل المعلومات دفعة واحدة ، بل إن هذا خطأ تام. ولذا يجب التدرج في ذلك وتقسيم المعلومات على مراحل، وبطريقة منطقية دون إسكاتهم أو إعطائهم معلومات مضللة خاطئة، مما يساعدهم على فهم أجسامهم دون قلق أو خوف مبالغ فيه. وذلك من أجل التخفيف من مشكلات كثيرة يساهم فيها الجهل والمعلومات الجنسية الخاطئة من مصادرها الخاطئة.
إن علاج الاضطرابات الجنسية يعتمد في جزء كبير منه على التثقيف الشرعي والطبي الجنسي وإعطاء معلومات طبية وعلمية حول الوظائف الجنسية الطبيعية للإنسان ، وأيضاً على تعديل أفكار الأزواج عن مفهوم الأداء الجنسي وعن عدد من الأساطير الشائعة المرتبطة بالجنس؛ لاسيما فيما يتعلق بالجوانب التشريحية لجسم الإنسان وللأعضاء الجنسية والبلوغ ومظاهره والحمل والولادة، والأمراض الجنسية و النظافة والطهارة، والقضايا الفقهية المتعلقةبالجنس إلخ.

إن الأزواج معرضون لكثير من الأمراض الاجتماعية نتيجة الجهل بالجنس وآدابه وأصوله وأخطرها البحث عن الآخر فى ظل انعدام المتعة مع الشريك الشرعى. ومن هنا تلجأ الزوجة أو الزوج فى بعض الحالات إلى الخيانة . فضلا عن ارتفاع نسبة الطلاق بسبب الجانب الجنسى؛ فالمرأة لا تستطيع أن تتحمل علاقة غير متوازنة جنسيا فتطلب الطلاق من غير أن تعلن عن دوافعها الحقيقية .

ثم ان المعرفة الجنسية تقى الفرد من أخطار التجارب الجنسية غير المسؤولة قبل الزواج والتى يحاول خلالها الشاب أو حتى الفتاة – استكشاف المجهول أو المحظور بدافع إلحاح الرغبة الجنسية المتأججة أو المكبوتة لديه. إن الجهل الجنسى يحفز الفرد للحصول على المعرفة من مصادر خفية أو فى الأفلام الإباحية وتكون النتيجة الحصول على المعلومات الخاطئة والوقوع فى التجريب أو الخبرات التى تؤدى الى الشعور بالاشمئزاز أو الإحساس بالإثم والخطيئة والخوف والقلق والاستغراق فى أحلام اليقظة والانحراف الجنسى والاضطراب النفسى.

وعلاوة على هذا فإن الجنس فطرة تجب ممارستها ونحن على علم بها بالطرق الشرعية، من أجل الوقاية من الأمراض العضوية والنفسية والاجتماعية ، والحفاظ على العلاقات الزوجية عن طريق تعرف كل زوج على احتياجات وطبائع شريكه في الحياة، و الحصول على ذرية تتمتع بالصحة والحيوية والاتزان النفسي.
إن ديننا الإسلامي له رؤية واضحة فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بجسده أو جسد زوجه، ويحارب الإباحية التي لا تهدف إلا إلى الإثارة وممارسة الفجور. والإسلام يدعو إلى العلم والمعرفة ويحث على الاستزادة منه في كل مجالات الحياة، ولذلك تحدث العلماء المسلمون في تثقيف الأولاد جنسياً في سن مبكرة، وإعطائهم كل المعلومات التي تقيهم الشرور والآثام والأمراض المهددة لصحة الإنسان.
والحياء السوي الذي يجله الإسلام، ويأمر به كل مسلم ومسلمة، هو ذلك الخلق الذي يبعث على اجتناب القبيح من الأفعال، وهو غير الحياء الأعوج، والأفضل أن نسميه بالخجل المرضي، حتى يظل لفظ الحياء له خصوصيته التي يضفيها عليه الإسلام، ولا يختلط بأوهام خارجة تمامًا عن معناه الشرعي.
وحتى نميز الحياء الشرعي عن الخجل المرضي، لننظر الآن كيف صحح أنس رضي الله عنه فهم ابنته للحياء الشرعي؛ فعن ثابت البناني قال: "كنت عند أنس وعنده ابنة له.

قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟
فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها!! واسوأتاه.. واسوأتاه.
قال: هي خير منك، رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها". رواه البخاري.
ولدينا في القرآن أمثلة ترسم لنا كيف لا يمنع الحياء من قول الحق أو فعل الخير حتى ولو كان لهما صلة بالجنس الآخر، صحيح أنه يمكن أن يحدث داخل النفس نوع من التوتر يصاحب القول أو الفعل، وهذا أمر محمود، وكثيرًا ما يلازم الحياء السوي.
قال تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) سورة القصص الآية: 25.
فهنا فتاة تخرج للقاء رجل غريب، ومن الطبيعي بل ومن المحمود أن يصيبها قدر من الحياء، لكن أن يبلغ بها الحياء درجة تمنعها من الخروج لهذا اللقاء وتحقيق مصلحة واجبة أو مندوبة فهذا هو المرفوض.

وقدمت السنة أمثلة للحياء السوي؛ فعن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهِّر فتحسن الطهور، ثم يصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شئون رأسها ، ثم تصب عليه الماء ثم تأخذ فِرصة مُمَسَّكة فتطهِّر بها، فقالت أسماء: وكيف تُطهِّر بها؟ قال: سبحان الله تطهرين بها، فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك- تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهـِّر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. رواه البخاري ومسلم وهذه رواية مسلم.

وصدقت عائشة أم المؤمنين إذ تصف نساء الأنصار بالحياء، ذاك الحياء السوي الذي لم يمنعهن من قول الحق وعمل المعروف، وهو هنا في صورة طلب العلم والفقه في الدين.
لكن لا حرج في أن يستجيب المؤمن لما يصيبه من حياء سوي، فلا يواجه الموقف بنفسه، ويلجأ إلى وسيلة أخرى تحقق المصلحة دون مواجهة، وهذا ما يفعله صحابي جليل؛ فعن علي بن أبي طالب قال: "كنت رجلاً مذَّاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وفي رواية: لمكان ابنته) فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: "فيه الوضوء". رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية عن أبي داود عن علي قال: "كنت رجلاً مذاءً، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري" وفي رواية لابن حبان: عن المقداد بن الأسود "أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته، وأنا استحيي أن أسأله. قال المقداد: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة". ورد في فتح الباري: قال ابن دقيق العيد: كثرة المذي هنا ناشئة عن غلبة الشهوة مع صحة الجسد. وقال الحافظ ابن حجر: في الحديث استعمال الأدب في ترك المواجهة لما يستحيي منه المرء عرفًا، وحسن المعاشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما يتعلق بجماع المرأة ونحوه بحضرة أقاربها.

وعن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأت الماء. فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت: يا رسول الله.. أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم. تربت يمينك . فبم يشبهها ولدها؟. رواه البخاري ومسلم. وقد أورد البخاري هذا الحديث تحت باب "الحياء في العلم" وقال مجاهد:" لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر".
وعن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصار: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأُذن لي، فقلت لها : يا أماه أو -يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل". رواه مسلم.

ولننظر هنا كيف يظن رجل أن طلب العلم من امرأة في أمر من الأمور الجنسية يعتبر من الرفث الذي ينبغي أن ينأى عنه الرجل الحيي، فترد عليه عائشة في صراحة ووضوح، دونما حرج، بأن يدفع ذاك الظن الخاطئ.
ولم يجد علماء الإسلام غضاضة في الحديث عن الثقافة الجنسية. فهذا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يذكر في إحياء علوم الدين تفاصيل جنسية تتعلق بتقديم بعض النصائح في المداعبة واللقاء الجنسي نفسه. وبعد الغزالي، نجد الإمام ابن القيم يذكر في كتابه " زاد المعاد في هدى خير العباد " هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع . ولا يجد في ذكر ذلك حرجًا دينيًا، ولا عيبًا أخلاقيًا، ولا نقصًا اجتماعيًا، كما قد يفهم بعض الناس في عصرنا .
لكن هناك مجالين لهما علاقة بالأمور الجنسية يفرض الحياء السوي الصمت الكامل فيهما:
1- مجال أسرار اللقاء بين الزوجين.
2- مجال العبث واللهو والتندر بأمور تتعلق بالمتعة الجنسية، مما يزيح عنها رداء الصون والعفاف ويعرضها للابتذال، هذا فضلاً عما قد يثيره من الشهوة، لا سيما عند غير المتزوجين.
وينبغي أن نكون على علم بأن الله سبحانه وتعالى قد أنزل في كتابه الكريم من أمور الجنس شيئا كثيرًا، وفيه شواهد تطبيقية على أن ذكر الأمور الجنسية في مناسبتها لا يتعارض مع الحياء بوجه من الوجوه. ولم يمنع الحياء الجم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يعلم الناس أمور الجنس، ويستمع إلى أسئلتهم وشكاواهم المتعلقة بالجنس في سماحة ويسر، وأسلوب في التعبير -مما يتوافق مع الحياء السوي، كاستعمال الكناية والمجاز، حيث يغنيان عن الحقيقة، والإشارة حيث تغني عن العبارة، والتلميح حيث يغني عن التصريح، والإجمال حيث يغني عن التفصيل.






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات